يسرا عادل

عندما فتح أليخاندرو وثيقة الأمن القومي الأمريكية لم يقرأها كمحلل، بل كمواطن. ابن إل باسو، القادم من عائلة عبرت من المكسيك قبل عقود، قرأ الصفحات الثلاث والثلاثين كما يُقرأ تاريخ شخصي كُتب بيد الدولة. بحث تلقائياً عن الأعداء الذين لقّنته أمريكا أسماءهم منذ المدرسة: روسيا، الصين، كوريا الشمالية. لم يجدهم حيث اعتاد، بل وجد كلمة واحدة تتقدم السطور بثقل غير مألوف: الهجرة.
لم يشعر بالغضب، بل بالدهشة. كيف تحوّل ما كان يوماً وعداً أمريكياً إلى تهديد أمني؟ كيف سيعاد تعريف «أرض المهاجرين» في عهد أحفاده؟ في تلك اللحظة، فهم أليخاندرو ما تحاول الوثيقة قوله من دون أن تعلنه صراحة: الخطر لم يعد في الخارج. العدو لم يعد دولة. بل فكرة، ملامح، ولهجة.
قرأ التقرير بوعي جديد. أدرك أن أمريكا لا تعيد ترتيب أولوياتها الأمنية، بل تعيد تعريف نفسها. وأن الهجرة، في هذا النص، ليست مسألة حدود، بل اختبار هوية، مرآة لإمبراطورية بدأت تخشى تغيّر صورتها أكثر مما تخشى خصومها، فحوّلت التحوّل الديموغرافي إلى خطر أمني، والقلق من الذات إلى سياسة دولة.
الهجرة هنا ليست ملفاً اجتماعياً بل أداة تعبئة سياسية. وحين تُرفع إلى مرتبة «الخطر الأول» يصبح سؤال الجدوى مشروعاً: هل هو هوس حقيقي أم ستار يُسدل لصرف النظر عن أهداف أكثر جذرية؟ ومن يتردد في فهم هذا التحول، تكفيه متابعة التراشق بين الرئيس الأمريكي والنائبة إلهان عمر، حيث لم يكتفِ بمهاجمتها شخصياً، بل جرّ دولة كاملة -الصومال- إلى ساحة الصراع الخطابي. والسؤال الجوهري: متى يصبح استدعاء الدول والهويات في خصومة داخلية فعلاً مقبولاً من رئيس دولة كبرى، يسعى لإحلال سلام عالمي ويعجز عن تحقيقه ابتداء من لسانه! وعن أي دبلوماسية سيتوج كصانع سلام عندما يؤجج الصراعات الخطابية في مشهد يبدو اعتيادياً منذ يناير؟!
إيفان في نيويورك ولي في سان فرانسيسكو جلسا أمام شاشتيهما، يقرآن الفقرات نفسها من وثيقة الأمن القومي الأمريكية، ويشعران بصدمة مشابهة: لم يعد العدو التقليدي، الدب الروسي والتنين الصيني، محور التحليل، بل كان التقرير اعترافاً صامتاً بأن واشنطن لم تعد قادرة على تشكيل العالم من موقع المهيمن. إنه توازن هش يُدار من موقع فقدان الثقة بالقوة الأمريكية نفسها. وهنا، في قلب الفهم، يلمحان ما لم يكتب في الوثيقة: اعتراف بأن زمن أحادية القطب يتآكل، وبأن أمريكا -في شكلها الحالي- تُسارع إلى تقزيم دورها أكثر مما يفعل خصومها. كأن الوثيقة تقول بلا مواربة: إدارة مرتبكة كهذه لا تملك صفاء الرؤية ولا صلابة القرار لتدير العالم.
في أحد أحياء ويست وود في كاليفورنيا، جلس رضا أمام شرفته الصغيرة، وأفكاره تتسابق بين الصفحات، تلتقط التفاصيل وتفك رموز السياسة، كان يقرأ الوثيقة مبتسماً، لسان حاله يقول: أخيراً تعترف واشنطن بأن الشرق الأوسط لم يعد مصدر تهديد وجودي مستمر، وأن الإدارة الجديدة تتبنى منطق الاحتواء المدروس والتعاون الانتقائي، مع رفع الاستثمار والشراكات الاقتصادية على سلم الأولويات بدل الانخراط في صراعات طويلة الأمد كما في العراق وأفغانستان.
هانا، التي جاء أجدادها من ألمانيا واستقرت عائلتها في ويسكونسن، كانت تقرأ كيف ترى واشنطن أوروبا، بسخرية القدر، وكلها يقين بأن القارة، مهما جار عليها الزمان، ستظل مدرسة تلهم الشعوب في صون الكرامة الإنسانية. في صفحات الوثيقة، رأت هانا أكثر من سياسة، رأت روح القيم التي تتحدى الزمن وتربط بين الحرية والتاريخ، بين العقل والفن، بين القانون والضمير. هانا التي لم تزر أرض الأجداد، ولم تطأ قدماها أوروبا، عقلها ووعيها يرفضان قبول تقزيم قارة كان لها الفضل في صياغة القانون الأمريكي.
أما إيرك، الذي جاء أبواه من إيرلندا واستقرا في بنسلفانيا، فحاول مراجعة الوثيقة ليربط بين ما تكتبه وبين الواقع اليومي الأمريكي، ليرى أنها لا ترسم خطوط السياسة الخارجية فحسب، بل تطبع بصمتها على الداخل الأمريكي.
في النهاية، يظل أليخاندرو، وإيفان، ولي، ورضا، وهانا، وإيرك ليسوا مجرد أسماء على صفحات، بل نسيج حي من المجتمع الأمريكي، لكن السؤال الأعمق يظل مطروحاً: هل سيظل هذا النسيج قادراً على الصمود أمام تيارات السياسة العليا، أم أن خطاب «بعبع الهجرة» سيزيد من تصدّع اللحمة الداخلية، ويحوّل الهوية المشتركة إلى ساحة مواجهة صامتة، حيث تصبح المخاوف من الخارج مرآة لانقسامات الداخل؟
هنا، عند هذا المفترق المصيري، يُختبر المستقبل الأمريكي: بين وحدة نسيج متشابك وبين تصدّع يهدّد اللحمة الداخلية، بين القوة التي تُستمد من قيم مشتركة وبين الضعف الناتج عن المخاوف والخطابات الأمنية، بين ما يُكتب على الورق من استراتيجيات وسياسات وما يُعاش على الأرض من حياة المواطنين، وبين صمود أو كسر تحت وطأة الزمن والتحولات الكبرى.

[email protected]