عمت الأوساط الأدبية والثقافية العربية في سبعينات وستينات القرن العشرين موضة الشعر المسترسل الطويل، واللحى الكثّة، وسراويل الجينز، أما اللحية تحديداً فكان الحلاق يحددها على مقاييس لحية لينين، ثم لا بأس بلحية فيدل كاسترو، وقبعة جيفارا، لا بل انتشر اسم جيفارا في بعض الديار اليسارية العربية آنذاك، وحتى البنات تسمّين باسمه، بل حتى لوركا أصبح اسماً مؤنثاً، وبالطبع، إلى جانب كل ذلك كانت تنمو أهرامات من أكوام الكتب المجلدة الفاخرة الطباعة في دار التقدم في موسكو. وكنت تشتري مجلدات كتاب «رأس المال» بتراب الفلوس، كما يقول إخوتنا المصريون، المجلد الواحد لو ضربت به رأس الرجل لأغمي عليه.
انهار الاتحاد السوفييتي في أول التسعينات، وبالتدريج، بدأت اللحى اللينينية والماركسية تختفي من دكاكين الحلاقين، وقلت بناطيل الجينز، وهذه كانت تحمل في سياقها «الثيابي» آنذاك مفارقة عجيبة، فالمثقف العربي اليساري كان يفضل دائماً ارتداء الجينز مع أنه بنطلون من صناعة أمريكية وقماش أمريكي، ورمزيته الرأسمالية واضحة وضوح عين الديك، ومع ذلك، كانت مقاهي بيروت، والقاهرة، ودمشق، وعدن وعمّان، تمتلئ بقبائل من المثقفين أصحاب تلك البناطيل الرمزية، وحقائبهم المملوءة بالكتب الحمراء.
ثم الكتب مرة ثانية، فمع انهيار الاتحاد السوفييتي وتوقف دور النشر في بكين وموسكو عن ضخ مجلدات الفكر الاشتراكي، والواقعية النقدية، وغيرها من سلالة الواقعيات السوفييتية والصينية عم الكساد في أسواق الكتب العربية، وانتشرت على الأرصفة آلاف الكتب المستعملة المطروحة للبيع الشعبي؛ وإذ بك تسمع الباعة ينادون على بضاعتهم بأصوات حرة: اشتر لينين، اشتر ماركس، اشتر الأم، اشتر غوركي.. «الحبة» بدينار، «الحبة» بدينار، والمقصود بـ «الحبة» الكتاب.
لكن المشكلة هنا، أن حرارة القراءة الحمراء قد بردت، وأصيب الشارع الثقافي والسياسي آنذاك بالإحباط، كثرت كتب الرصيف، وأكشاك الكتب المستعملة، بعدما جرى أصلاً استعمال الفكر والمفاهيم والمصطلحات، ووجد المثقفون أنفسهم في الشارع السياسي بلا غطاء.
إن هذه المقالة، التي أكتبها بلا مناسبة وبلا أرقام وتواريخ قد تفتقر إلى الواقعية، وهي الكلمة الرنانة التي كانت سائدة في الهواء قبل أكثر من نصف قرن من الزمن السياسي والثقافي، ومع ذلك، فلتتوقف معي إذا أردت عند الواقعيات البديلة التي أزاحت الواقعيات القديمة تلك، ومن البدائل واقعية غابرييل غارسيا ماركيز، المسماة بالواقعية السحرية، ومن المهم أن يتذكر المرء أن واقعية ماركيز واقعية أدبية، وليست سياسية، ولذلك، كتبه لا تباع بدينار واحد حتى اليوم.