د. عبدالله بلحيف النعيمي*

تشير دراسة رائدة أُجريت في جامعة ليستر البريطانية ونُشرت في مجلة Scientific Reports إلى تحول مقلق في غابات إفريقيا بين عامي 2010 و2017: فقد انتقلت من كونها مصدراً لامتصاص الكربون إلى مصدر لانبعاثه. هذا التحول يمثل لحظة حرجة في مسار المناخ العالمي، مع تداعيات واسعة على التنوع الحيوي، استقرار الغلاف الجوي، والأهداف الدولية لمكافحة تغيّر المناخ.
نتائج الدراسة بالأرقام:
* فقدت إفريقيا نحو 106 مليارات كيلوغرام من الكتلة الحيوية للغابات سنوياً خلال فترة الدراسة.
* هذا الفقدان أدى إلى انبعاث ما يقارب 200 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لدولة متوسطة الحجم مثل هولندا.
* أكثر المناطق تضرراً تشمل:• حوض الكونغو: أكبر غابة مطيرة في إفريقيا، ثاني أكبر غابة استوائية في العالم بعد الأمازون.
* مدغشقر: حيث فقدت البلاد أكثر من 40% من غطائها الحرجي الأصلي خلال العقود الأخيرة.
* غرب إفريقيا: حيث تتسارع أنشطة التعدين والزراعة المتنقلة.
الأسباب العلمية للتحول:
الغابات تتحول من مصارف للكربون إلى مصادر له عندما يتجاوز فقدان الكتلة الحيوية معدل النمو الطبيعي للأشجار. ومن أبرز الأسباب:
* إزالة الغابات (Deforestation): قطع الأشجار يقلل من القدرة على امتصاص الكربون ويطلق الكربون المخزن في الخشب.
* الحرائق الزراعية والبرية: مسؤولة عن نحو 20% من الانبعاثات المرتبطة بالغابات في إفريقيا.
* التعدين والزراعة المتنقلة: تدمّر الغطاء النباتي وتمنع إعادة نموه.
* تدهور التربة: يؤدي إلى إطلاق الكربون المخزن في المواد العضوية.
لماذا يُعد هذا مهماً؟
لطالما لعبت غابات إفريقيا دوراً محورياً في امتصاص ثاني أكسيد الكربون والمساهمة في تنظيم مناخ الأرض. تدهورها لا يسرّع فقط من وتيرة الاحتباس الحراري، بل يؤدي أيضاً إلى:
* تراجع التنوع الحيوي وتهديد أكثر من 10,000 نوع نباتي وحيواني مهدد بالانقراض.
* إضعاف سبل العيش المحلية لأكثر من 100 مليون شخص يعتمدون على موارد الغابات.
* تقويض الأهداف المناخية العالمية مثل اتفاق باريس والتزامات الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050.
العواقب على الاحتباس الحراري:
* زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي: حيث تجاوزت مستويات CO₂ العالمية 420 جزءاً في المليون عام 2024، وهو أعلى مستوى في تاريخ البشرية.
* اضطراب أنماط الأمطار: تراجع الغابات في الكونغو قد يقلل من هطل الأمطار بنسبة تصل إلى 8% في بعض المناطق.
نسبة الانبعاثات مقارنة بالعالم:
تشير التقديرات إلى أن انبعاثات غابات إفريقيا البالغة 200 مليون طن سنوياً تمثل نحو 0.5% من إجمالي الانبعاثات العالمية التي بلغت حوالي 37.4 مليار طن في عام 2024. ورغم أن هذه النسبة تبدو صغيرة نسبياً، إلا أن خطورتها تكمن في فقدان الغابات لدورها الطبيعي كمصارف للكربون، ما يضاعف العبء العالمي ويقوّض فرص الوصول إلى الحياد الكربوني.
دعوة عاجلة للتحرك:
يشدد الباحثون على ضرورة اتخاذ إجراءات سياسية عاجلة، منها:
* تعزيز قوانين حماية الغابات وآليات تطبيقها.
* الاستثمار في برامج إعادة التشجير والتوسع الأخضر، حيث تشير الدراسات إلى أن إعادة زراعة 1.2 مليون هكتار سنوياً يمكن أن تعيد امتصاص ما يقارب 50 مليون طن من الكربون.
الغابات والتعويضات الكربونية:
إن الأساس العلمي لفكرة التعويضات الكربونية يقوم على قدرة الغابات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وعلى منطق اقتصادي يسعى إلى موازنة الانبعاثات عبر شراء أرصدة الكربون. غير أن هذه الممارسة كثيراً ما تُنتقد باعتبارها شكلاً من أشكال «التلميع الأخضر» ما لم تقترن بخفض فعلي وحقيقي للانبعاثات. فحماية غابات إفريقيا واجب إنساني وبيئي لا غنى عنه، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة تمنح رخصة لمواصلة التوسع في الوقود الأحفوري، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية شاملة تضع خفض الانبعاثات في صميمها.

* أستاذ التنمية المستدامة - الجامعة الأمريكية بالشارقة، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة