د. منصور جاسم الشامسي
تُوفي ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة، الثالث والأربعين جورج دبليو بوش (2001 – 2009)، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن عمر يناهز 84 عاماً؛ تشيني تَرَكَ أَثَراً كبيراً وعميقاً على المشهد السياسي، والعام، الأمريكي – العربي – الإسلامي؛ المُتداخل.
تشيني، (جمهوري أمريكي)، وُلد عام 1941 في ولاية نبراسكا، من سلالة البريطانيين المسيحيين البروتستانت المحافظين المُهاجرين لأمريكا في القرن السابع عشر بسبب الاضطهاد الديني، مراسم جنازته في كاتدرائية واشنطن الوطنية أقامها رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية، الدكتور شون رو، وحضرها عميد الكاتدرائية القس راندولف مارشال. سياسياً؛ تشيني واقعي – علماني، يؤمن بالتأثيرات الدينية، وحاصل على البكالوريوس، والماجستير في العلوم السياسية.
تشيني، وزير الدفاع، الأمريكي، ما بين (1989–1993)، مَكَّن للولايات المتحدة، حيث مالت موازين القوى لصالحها، عند نهاية الحرب الباردة، وتمسك بحلف (الناتو)، رغم انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف وارسو، مُعتبراً روسيا «تَهديداً»، وقاد الحرب على دولة بنما باسم «القضية العادلة» في 1989؛ حيث تمت إطاحة رئيسها مانويل نورييغا واعتقاله ونقله جواً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات وغسل الأموال، وتم سجنه. وأشرف تشيني على حرب تحرير الكويت، 1990- 1991، وعزز النفوذ الأمريكي في آسيا والخليج. وعَمل باحثاً سياسياً، في معهد «أمريكان إنتربرايز» الأمريكي، (1993 – 1995)، واتجه إلى «الاستثمار»، (1995 – 2000)، وأصبح رئيساً ومديراً تنفيذياً لشركة «هاليبورتون»؛ ثاني أكبر شركة للخدمات النفطية في العالم التي ساعدت أطقمها على السيطرة على 725 بئر نفط مشتعلة في الكويت. وحصل، تشيني، من الشركة على مكافأة نهاية خدمة في عام 2000، تبلغ 36 مليون دولار، والشركة حصلت على مليارات الدولارات من عقود الحكومة الأمريكية في مجال أعمالها بقطاع النفط العراقي أثناء وبعد غزو العراق عام 2003. اشتغال تشيني بالسياسة والمال والنفط والتجارة، عَرّضه للنقد، وتُهَم بالفساد وتضارب المصالح.
كان تشيني متحدثاً رسمياً باسم الرئيس جورج دبليو بوش، ومديراً شخصياً واستراتيجياً لحملته الانتخابية، وساعده على اختيار أعضاء فريقه الرئاسي، وأدار فريقه الانتقالي، ووَسّع السلطة التنفيذية الرئاسية، وفوّض الرئيس بوش تشيني مسؤوليات كبيرة، في السياسة الخارجية والأمن القومي والدفاع، وتشيني صاحب نظريات «الحرب على الإرهاب»، و«الضربات الوقائية»؛ الاستخدام الاستباقي للقوة العسكرية ضد «التهديدات» المُحتملة، حتى لو لم تكن هناك أدلة قاطعة على وجود خطر وشيك، و«نشر الديمقراطية بالقوة»، و«الفوضى الخلاقة»، و«مُهندس» غزو أفغانستان (2001) وغزو العراق (2003)، وكلها كانت «قرارات حرب» مُفتقرة للأسس القانونية الدستورية والدولية، نتج عنها ارتدادات «خَطرة». يقول كولين باول، رئيس هيئة الأركان المشتركة ثم وزير الخارجية، إن «سياسات تشيني لم تكن تستند إلى حقائق» و«تسببت في ضرر كبير». وتعرّض تشيني في أفغانستان لمحاولة اغتيال، في فبراير/شباط 2007، ونجا منها، في حين قُتل 23 شخصاً. ودعا لمهاجمة سوريا، وكوريا الشمالية. ودَعَم استخدام «أساليب قسرية» في أعمال الاستجواب، التي انتقدتها هيئات أمريكية، حيث دعت منظمة «اتحاد الحقوق المدنية الأمريكي»، ومنظمات حقوقية دولية، إلى مُساءلة تشيني، ومقاضاته. حصل تشيني على نسبة تأييد شعبي بلغت 68% في 2002، لكن مُعدَّل شعبيته صار منخفضاً بنسبة 13% عند انتهاء ولايته.
من تنظيرات تشيني: «استخدام القوة العسكرية في حل المشكلات الخارجية كخيار أول وليس أخيراً»، «إن أمريكا هي القوة المهيمنة عالمياً، ويجب أن تستعرض إرادتها من دون اعتذار أو تبرير»، و«أمريكا لن تغادر منطقة الخليج». حَذّر تشيني من حصول العراق وإيران وكوريا الشمالية على الأسلحة النووية، واعتقد بالتهديد الإيراني، لاسيما في ظل سعيها لتطوير برنامجها النووي، وفي سبتمبر/أيلول 2011؛ بعد تقاعده، أعاد تهديد إيران، قائلاً: «إسرائيل سَتُهاجم المنشآت النووية الإيرانية إذا رأت ذلك ضرورياً وقال: «إيران تشكّل تهديداً وجودياً بالنسبة لإسرائيل، وسيفعل الإسرائيليون أي شيء عليهم فعله لضمان بقائهم والحفاظ على أمنهم»؛ وهذا ما حصل بعد 14 عاماً، من تصريحاته، حين هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت إيران النووية في (13 – 24 يونيو 2025).
فاجأ تشيني الأمريكيين في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بإعلانه دعم المرشحة الديمقراطية، كامالا هاريس، مُتخلياً عن مرشح حزبه الجمهوري دونالد ترامب، وهذا لا يعني تَخلّي تشيني عن فكره السياسي، لكنه وصف ترامب بأنه «خطر» ويشكّل «تهديداً للنظام الجمهوري الأمريكي»، و«غير مؤهل لتولي الرئاسة»، ورَد عليه ترامب، قائلاً: «إِن تشيني هو ملك الحروب التي لا تنتهي، ولا معنى لها، التي تضيع فيها الأرواح، وتريليونات الدولارات». غاب الرئيس ترامب ونائبه فانس، عن مراسم جنازة تشيني التي شهدها رؤساء ونُواب رؤساء أمريكيين سابقين. ورغم تأثر الرئيس ترامب بنظريات تشيني، إِلّا أن تشيني كان قلقاً من احتمال تغييرات جوهرية، في بِنية النظام السياسي الأمريكي.