كان عبدالوهاب البياتي يسلق بلسانه الساخر بعض شعراء جيله، وأكثر ما كان يطلق على هؤلاء وصف «الطواويس»، وذات حوار معه سأله صحفي عن رأيه في نزار قباني، فقال: إنه أشبه بابن مدلّل لضابط تركي متقاعد، وقال عن محمد الفيتوري، إن لونه قد تغيّر من كثرة الكذب، وأحياناً، كان «أبو علي» يميل على محدّثه، ويهمس في أذنه: انظر إلى ذلك الشاعر، لقد اهترأت أصابعه من كثرة كتابة التقارير.

كان بعض الشعراء العرب يستحقون النار التي تُحرق في لسان البياتي، والبعض كان ضحيّة، لكن ماذا كان بوسع صاحب «قمر شيراز» أن يفعل بنفسه إذا كانت هذه هي طبيعته؟ وعلى أيّ حال، لم تكن طبيعة مؤذية كما يتصوّر البعض، بل إن سخريته العابرة السريعة لم تكن أكثر من فكاهة، وما أكثر الفكاهات في مقاهي وجلسات وليليّات شعراء زمن البياتي، تلك الليالي الأيديولوجية بامتياز والمتأرجحة بين اليمين وبين اليسار، ولم يكن «أبو علي» محسوباً على هذا، ولا ذاك، بل كان مستقلاً، ووحيداً وخارج السرب بعد تجربة سياسية عابرة في العراق جعلت منه حرّاً، أنيقاً دائماً، بعيداً عن موائد العشاء المرتّبة عبر بعض الكثير من السفارات التي تدفع باليمين، وتأخذ باليسار، وأقصد بها سفارات اليسار العالمي التي كانت سائدة آنذاك، وكانت تشبه الدجاج، فرّخت الكثير من الكتاكيت في زمانها، وكبرت تلك الكتاكيت وأصبحت ديوكاً في الإعلام وفي النقد الأدبي بشكل خاصّ.

أنتج ما كان يُسمّى «اليسار العربي» العديد من نقّاد الأدب الذين كانوا يرفعون شعراءهم (اليساريين) بالطبع إلى السماء، وما عداهم كان ينزل إلى التراب.

لم يكن عبدالوهاب البياتي محبوباً من جانب هؤلاء النقاد البيّاعين في سوق الفكر والأيديولوجيا، ولذلك، كان لسانه لا يوفّرهم ويسلقهم في الكثير من المناسبات الثقافية التي تأخذ شكل ولائم عشائرية أدبية في بعض العواصم الأدبية.

عبدالوهاب البياتي شاعر ساخر، ولكنه ساخر في المقهى حيث يرتفع منسوب الثرثرة في ليل تلك المقاهي، بينما لم يسمح لهذه السخرية المرّة الهامشية أن تتسلّل إلى شعره، شعر الوجود، والمنفى، والحب، والموت، والقناع، وهو بالفعل شاعر أقنعة، قناع ابن عربي، قناع السهروردي، قناع عائشة، المرأة اللغز في حياة شاعر له قناع آخر هو قناع الدموع.

لم يقرأ أحد حزن البياتي ودموعه وملح منفاه الذي جرجره من معطفه تحت أعمدة النور: وكان يقول: «وطني المنفى، منفاي الكلمات»، وإذا قرأت له مجموعة «قمر شيراز» لرأيت شاعراً يتعتق بالحزن، وما السخرية والفكاهة سوى قشرة كان يخبّئ تحتها حقيقته الطفولية الحزينة.

من وقت إلى آخر أقرأ، اليوم، من يسخر من البياتي. طاووس هرم متقدّم في العمر، لا وجه له، ولا حتى قناع.

[email protected]