د. نسيم الخوري
أحاول جاهداً أن أبقى هادئاً كما بوذا تسبقني الكلمات للتفكير والتنسيق ونحن على أبواب أعياد جديدة وعام جديد 2026، مُبعداً الأبجدية عن دواخلنا وتواريخنا التي أراها في غليان دائم. يتجهّز اللبنانيون المهاجرون للقفز فوق طاولات السهر الطويل، ولكنهم قد تشدّهم، للأسف، المفاجآت المعقّدة المتراكمة من أكمامهم وتضعنا في المجهول لا سمح الله. لو كان لدى اللبنانيين فكرة واضحة عن السعادة لجعلوها قلادةً في أعناقهم.
لنكتب بوعي كامل أنّنا نحيا اليوم عبر حضارة إنسانية تغمر الكون. صحيح أنها حضارة فضائية، بل هي ببساطة نسغ حضارات عالمية، تكاد تختفي مظاهر العواطف بل العلاقات الإنسانية لمصالح خفية معقّدة قد تسهّل التدمير النفسي، وتختفي عبرها المشاعر الإنسانية ويتم نسيانها باعتبارها باتت مشاعر تختفي لمصالح ما فوق سلطات العصف الإعلامي الهائل في العالم.
ولدت تلك «الطفلة» التي صرخت في وجه العالم عمليّاً: «أنا الإنترنت» في العام 1983، مع حلول بروتوكول «الأربانيت».
كانت القواعد الأساسيّة تنبثق من بذرة مبتكرة في الولايات المتحدة عام 1969. وهبطت علينا ال www على سبيل المثال بصفتها التطبيق العملي الكوني والبشري للإنترنت عام 1989.
في العام 1994 كانت السنة الكبرى التي حملت التطبيقات العملية لمؤتمر الويب وولادة المحركات المغمورة بالبحث عبر «ياهو وأمازون» وبعض المواقع الأخرى لتتفشى ديمقراطيات التواصل معلنةً نهضة المستقبل البشري الماضي نحو الجديد الذي لا حدود له في عالم الفضاء والتواصل المتعاظم بين البشر.
قد يكون مفيداً في هذا العصر الفضائي أن نشهد مزيداً من تنظيم استراتيجيات العلاقات الدولية وفقاً لأهداف محددة في مصلحة رقيّ الإنسانية، لكنني أتصوّر أن الحكم بعجائب منتظرة قادمة لا تعني سوى المزيد من الانتظار ولربّما من دون جدوى. صحيح أنّ البشرية عبر وسائل الاتصال قد خرجت أو أنها تخرج نهائياً من الجمود في الماضي عبر تحرير الأجيال الحاضرة من أثقاله التي لا يجوز ولا يمكنها أن تحتوي المستقبل الغامض الذي يقفز قفزاً أمامنا بسرعة البرق. لماذا الركض الدولي والبشري خلفها إذن؟
يمكن لرؤساء الدول تنظيم استراتيجيات دولهم وشعوبهم في العصر الفضائي، وفقاً لما وصلت إليه يقظة الشعوب، مع الحفاظ الضروري بل المقدّس على ذاكرة الدولة وتاريخها وتراثها، إذ يبقى كما أظن في تفكير كبار المسؤولين في الدول ألا يمنع الشعور بالسعادة الشعبية أكثر من العيش بأحلام وقل بذاكرة أو حتى تراث الأيام السعيدة لهذه الدول. وهنا أدرج مفهوم الفرادة في كلّ دولة. وأشدّد على هذه الفرادة في عصر الفضاء، لأن الإنسان المعاصر، بالرغم من وجوده في العالم الواسع، فهو لم ولن يخرج بالمطلق من حيّزه الأوّل الذي يحن أبداً إليه وعلى اعتبار أنه يبقى يشكّل جزءاً من الحقيقة التي عاشها ويعيشها بصرف النظر عن القواعد الفلسفية التي تقول بأنّ الإنسان والكون يتألّفان من ذرّات لا يمكن أن تُشكّل سوى وحدة خاصة، ويشكّل هذا الإنسان المعاصر الغريب العجيب جزءاً من الحقائق العالمية التي صار يعيشها.
وفي هذا المجال، ندعم قولنا بالإشارة إلى أن البعض منّا يعتقد في هذا العصر الهلامي أنّ العالم ما زال قائماً على المتناقضات والصراعات المختلفة الأشكال والألوان والأسباب، وهذا غير صحيح لأنّ البشرية تبدو في هذا العصر وكأنّها تعمل بأصابع وعضلات وكشوفات وعلاقات فوق لوحات وسائل التواصل الاجتماعي الكوني وعلى مدى العالم البشري بثقافاته المتعددة. باختصار يجب أن تلعب العقول والأصابع كي تلتقي الثقافات ونتمكن جميعاً من السير في عصر الفضاء. نعم. ليس العالم اليوم بعيداً من هذه الصورة الكونية في تلاقي الثقافات والشعوب، حيث تسقط بشكلٍ فاضح وجريء وجميل قواعد الخصومة والمنافسة لا الحروب في واقع هذا الوجود الجديد الإنساني.
بات العالم بمقاربةٍ سريعة ينزع النظارتين السوداوين من حول عينيك بالمعاني التاريخية والسياسية في العلاقات الدولية. أنت تتواصل أو تتحاور مصحّحاً ومناقشاً كلّ ما في المعمورة ومن لا يزال يضع تلك النظارتين بالمعاني السياسية حول عينيه لا يستغرب قطعاً ألّا يرى العالم غارقاً في الظلام في عصور الضوء.
هكذا تُراني واصلاً إلى اعتبار الحياة اليوم خياراً وقد تُصبح السعادة خياراً، إذ يصعب الإقناع بأنّ الحرية في الخيار قد فقدته يداك على مدى العالم الفضائي، وببساطة يمكن الإقرار أنّ من لا يعجبه مكان أو بيئة معينة في هذا العالم فليرحل إذا تمكّن.
أتجرّأ على القول بأن هذا العالم الكوني الفضائي بات مسرحية قد يصعب عبرها توزيع الأدوار الفردية الدولية بشكلٍ منظم أو مختلف، إذ صار من قبيل الوقائع العظيمة أن يتمكّن كلّ منا أن يلعب دوره المحلي والإقليمي وحتى الدولي.