قلت للقلم: هل ستتصوّر أنني سأخضع الثقافة، لفحوص سريرية، بينما المقصود فحص السريرة؟ والله أعلم بالسرائر. طب خاطراً، فلن أرهقك من الرياضيات بالمقاييس، فأنا أعلم أن القوم لا يستسيغون المعايير والمكاييل، من الصاع والصواع، إلى الزبتوغرام، وهو ناقص واحد إلى جانبه واحد وعشرون صفراً، من الغرام. قال: هذا محض افتراء، فأين برهانك إن كنت من الصادقين. قلت: أبو العلاء يقول: «أمّا اليقينُ فلا يقينَ وإنما.. أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسَا». لقد علمتنا المدارس أن الملليليتر «مَلَل»، وأن الملليمتر «ملم»، وهو مذكر المُلمّة التي نجمعها على مُلمّات، والسنتيمتر «سمّ» عافاك الله، والكيلومتر «كم»، ولعاً بكمّ الأفواه، حتى قالوا لتلك الخرق الزرقاء والسوداء، كمامة، والكمامة لا تكون إلا للحيوان. هذا ليس شأننا.
قال: ما الذي جرّنا إلى هذا؟ فمبتغانا الرياضيات الثقافية، وتحديداً عملية الطرح الثقافي. قلت: أوضاع الثقافة العربية، تحتاج إلى ألا يكون العربي في فيه ماء. بالمناسبة: المسألة طريفة، إن كانت لديك آلة حاسبة. تخيّل مثلاً: سعة فم الإنسان مئة ملليليتر تقريباً، لو ضربتها في أربعمئة مليون عربي، لصار الرقم أربعين مليون متر مكعب، ما يعادل ستة عشر ألف مسبح أولمبي عالمي. المشكلة الفلسفية، هي أنهم لا يفكّرون في القوة والطاقة التي يكتسبونها في عملية الضرب هذه. مشكلتهم هي أن كل واحد في فمه مئة ملليلتر من الماء، لا يستطيع الكلام.
كل هذا لم يكن في الحسبان عند وضع خطة العمود. كان الموضوع عملية الطرح الثقافي. القضيّة وما فيها عملية طرح بسيطة. خذ الثقافة العربية كما لو كانت قائمة مواد ومكوّنات. ما ليس موجوداً نطرحه. مثلاً: نشطب الفلسفة، فمنذ ابن رشد، لا فلسفة لنا ولا فلاسفة، كأنهم قالوا للعقل: التفكير ليس شغلك، ثمة من سيفكّر بدلاً منك. نشطب أيضاً البحث العلمي لأن العقل الناقد المحقق قد انسحب. في هذه الحالة، ما محل الفكر والرأي والتعبير من الإعراب؟ بناء على هذه القاعدة الصلبة: جلّ البلدان لا دور فيها للفرد والجماعة في صنع القرار والتنمية؟ فرد أو مجتمع هكذا، لا يكون له دور في الأمن القومي. بعد كل هذا، كيف تتصوّر أن يحسّ الفرد والمجتمع، بالمسؤولية إزاء الهويّة والسيادة والأمّتين العربية والإسلامية؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحسابية: تأمّل ما الذي يبقى بعد الطرح. هي ذي القضية المركزية، الباقي كله تفاصيل.