يبدو أن قدر الجوع والموت والتشرد يلاحق قطاع غزة، فبعد عامين من حرب إبادة أكلت الأخضر واليابس، ودمرت كل شيء تقريباً، وقتلت وجرحت أكثر من 200 ألف شخص، وشردت نحو مليونين وتركتهم في العراء، ها هو القطاع يعيش مأساة مركبة بعد مرور عاصفة شتوية أغرقت الخيام التي بالكاد تؤويهم، تزامناً مع انعدام الكهرباء والمياه النظيفة، فضلاً عن القصف الإسرائيلي بين الفينة والأخرى، حيث راح ضحيته منذ وقف إطلاق النار في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي نحو 400 شخص.
ثمة حرب أخرى تُشن على القطاع، والهدف واحد، وهو جعل حياة سكانه جحيماً لا يطاق، تمهيداً لتشريد السكان وتهجيرهم، وهو ما تطمح إليه إسرائيل منذ بداية الحرب. ورغم تناقص وتيرة القتل بالقنابل والرصاص الإسرائيلي، إلا أن الحصار المفروض على السكان لا يقل وطأة، فمنع أبسط مقومات الحياة هو قتل، ولكن بشكل بطيء. وهذا ما تنبهت إليه العديد من المنظمات الدولية، التي حذرت من أن ما يدخل إلى القطاع قليل جداً في ظل بحر من الاحتياجات، فالقطاع الطبي مدمر بالكامل، وترميمه يحتاج إلى جهود هائلة، في حين أن ما يدخل هو بضع شاحنات من الأدوية لا تلبي الضغط الكبير على هذا القطاع. كما ترفض إسرائيل إدخال كرافانات مؤقتة أو مواد بناء لترميم بعض المنازل المدمرة أو إعادة البناء، فضلاً عن احتلال ما يزيد على نصف القطاع، وما يعنيه ذلك من منع قطاع غزة من إحياء نفسه زراعياً وصناعياً.
إذا تواصل التعامل الإسرائيلي مع غزة بالوتيرة نفسها، فإن كارثة محدقة وكبرى تنتظر السكان، الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، فهم إن لم يموتوا برداً ماتوا جوعاً أو بسبب نقص الدواء. كما أن ظروفهم لا تفي بالحد الأدنى من العيش الآدمي، في ظل النظر إليهم على أنهم ليسوا بشراً، ولا يحق لهم العيش بكرامة.
لكن ثمة مهام كبرى تنتظر الدول الضامنة للاتفاق، برفع وتيرة الضغط على إسرائيل من خلال الولايات المتحدة، واستغلال التناقضات في ظل تململ إدارة ترامب من تصرفات نتنياهو، الذي يتنكر لكل الاتفاقات، ويضرب شمالاً ويميناً دون مراعاة حتى للمصالح الأمريكية مع حلفائها في المنطقة. إذ إن السماح باستمرار الحال على هذا النحو أمر محال، ولا مناص من استخدام كل الأوراق لرفع المظلمة عن غزة التي ذاقت الويلات.
المهمة الآن كبيرة جداً لتغيير الواقع، وإنقاذ ما تبقى من غزة، التي شهدت أكبر مذبحة موثقة بالصوت والصورة في العصر الحديث، وإلا فإن تصفية غزة، ومن ورائها القضية، قادمة لا محالة.

[email protected]