استطاعت القيادة الخليجية الحكيمة أن تتجاوز التحديات الكبرى التي مرت بها المنطقة أخيراً، يعززها توافق غير مسبوق في الرؤى والمواقف تجاه قضايا منطقة الخليج ومصير شعبها.
إن استمرار مجلس التعاون بهذا التآزر والتلاحم والرؤى وسط هذه التحديات يعكس وعي القيادة وحكمتها في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا ما جسدته القمة السادسة والأربعون لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي انعقدت في 3 ديسمبر (كانون الأول) في العاصمة البحرينية (المنامة) والتي جاءت تعبيراً واضحاً عن اتجاه دول مجلس التعاون نحو المزيد من التنسيق فيما بينها لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، إضافة إلى مسارات التكامل الاقتصادي والأمني، والقضايا العربية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يعزز دور مجلس التعاون في دعم الاستقرار الإقليمي وترسيخ التعاون بين دوله.
وقد استطاع مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن يصمد رغم الأزمات التي عصفت به في الماضي، فمنذ إنشاء المجلس عام 1980 من رحم الحرب بين العراق وإيران في ذلك الوقت، نجحت دول المجلس، بفضل التنسيق بينها، في أن تنأى بنفسها عن تلك الحرب، وعن آثارها المدمرة على الجارتين المتصارعتين، وقد كانت دول المجلس تخطط لتحقيق التكامل الاقتصادي والوحدة فيما بينها على النمط الأوروبي، وقطعت في ذلك مسافات طويلة نحو الهدف المنشود، لكن كانت هناك بعض الأمور الإجرائية التي عرقلت، بشكل مؤقت، تلك المسيرة التي من المتوقع أن تواصل التحرك مع إصرار القادة الخليجيين على أهمية التلاقي والوحدة بين دول المجلس، وقد عُقدت آخر قمة عادية لمجلس التعاون في الكويت، العام الماضي. وحدثت بعد ذلك تطورات مخيفة أبرزها، الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل، ورغم أن تلك الحرب استمرت 12 يوماً فقط، لكنها فتحت الأبواب لجحيم قادم بين الطرفين، وقد أكَّدت الهجمات الإيرانية ومن ثم الإسرائيلية على قطر، بأن دول المجلس ليست في مأمن من آثار أية حرب قد تحدث بين الطرفين في المستقبل القريب، وقد صرّح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بأن دول الخليج تُركّز على استكمال منظومة دفاع جوي مشتركة «في المستقبل القريب».
إن بناء أنظمة دفاع صاروخي تغطي كل دول الخليج، غير كافٍ وحده لتحقيق الأمن لدول المجلس، فأي نظام دفاع صاروخي مهما كان متطوراً لن يكون قادراً على صدّ هجمات الصواريخ الحديثة السريعة، ولا بد من تحقيق الأمن بمفهومه الشامل.
وهناك تحديات متعددة أمام دول مجلس التعاون، ولعل أبرزها التحدي الذي يمثله الصراع الكامن اليوم بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، والذي قد يؤدي، في حال اشتعاله، إلى تهديد طرق التجارة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز، وأيضاً فإن تنافس الدول الكبرى السيطرة على منافذ التجارة الدولية في منطقة الخليج، قد يترك آثاراً سلبية على دول مجلس التعاون، حيث تخضع المنطقة اليوم للهيمنة الأمريكية الواضحة، لكن الصين الطامحة لتعزيز وجودها الاقتصادي في العالم من خلال مشروعها الرائد «حزام واحد، طريق واحد» ستندفع أكثر نحو ترسيخ وجودها في هذه المنطقة عبر نسج علاقات قوية ودائمة مع دول مجلس التعاون النافذة التي ستكون مضطرة إلى الموازنة بين علاقاتها القوية والراسخة مع الولايات المتحدة، وبين الضغوط والامتيازات القادمة من الصين.
وأيضاً النظر إلى زيادة عدد العمالة الوافدة المتزايدة إليها من مختلف بلاد العالم، نتيجة مشاريع التنمية في هذه الدول، وهذا يزيد من حجم الإنفاق ويمثل ضغطاً كبيراً على الموارد، لا سيما الماء، حيث إن دول المجلس جميعها بيئتها صحراوية جافة يندر فيها الماء، وتعتمد دول المجلس كلها على تقنية التحلية لسد حاجاتها من الماء الصالح للشرب، وفي حال حدوث صراع في المنطقة، فإن تلوث ماء البحر قد يوقع دول المجلس في أزمة مائية كبيرة، ولن يكون بمقدورها توفير مياه الشرب لسكانها، ما قد يؤدي إلى حدوث اضطرابات لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
كما يمثل اليمن اليوم تحدياً أمنياً كبيراً لدول مجلس التعاون، بسبب وجود مليشيات فاعلة فيه تزداد قوة ونشاطاً في مناطق واسعة من شمال اليمن، وهي لا تخضع للقوانين والمعاهدات الدولية وتمارس نشاطاً عسكرياً بحرياً في البحر الأحمر وخليج عدن، وتواصل هذه الجماعة امتلاك الأسلحة المتطورة ما يستدعي دول مجلس التعاون أن تتحرك لإيجاد تسوية شاملة للملف اليمني من أجل وأد الفتنة وإعادة الهدوء والسلام إلى ربوع اليمن.
العمل الخليجي الجماعي هو ضمانة قوية للأمن في منطقة الخليج من دون شك، ولا سيما عندما تتفق كل دول المجلس على سياسات أمنية وعسكرية واقتصادية واحدة، فعند ذلك لن يكون بمقدور الدول العظمى أن تفرض سياساتها على هذه الدول، ويصبح المجلس إحدى القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة والعالم.

[email protected]