قد نكون تعلمنا منذ نعومة أظفارنا، وتوصلنا عبر سمعنا من العديد من الأشخاص الذين عرفناهم خلال مسيرتنا، إلى قناعة تقول إن الطريق لكسب ود الآخرين هو الإحسان إليهم، ونعتقد أننا كلما قدمنا خدمات أكثر، وتنازلنا أكثر، وسعينا لقضاء حوائج الناس، فإنهم سيحبوننا أكثر.
هذه المعادلة تبدو منطقية وسهلة، إذا لم نمعن النظر في الأمر، ولم نفكر فيها بعمق أكبر. التاريخ وعلم النفس أيضاً، يكشفان لنا مفارقة قد تقلب فهمنا للعلاقات رأساً على عقب. الحقيقة هي أننا لا نحب الأشخاص فقط لأنهم يحسنون إلينا، بل نحبهم أكثر حين نحسن إليهم نحن. هذه الظاهرة معروفة وهي ظاهرة نفسية تعرف بتأثير فرانكلين، التي أنصح الجميع بالبحث عنها وقراءة تفاصيلها.
والقصة، باختصار، تعود للسياسي الأمريكي الشهير بنجامين فرانكلين الذي كان يعاني من خصومة شديدة مع عضو بارز في المجلس التشريعي. وبدلاً من أن يتودد إليه أو يخدمه، قام فرانكلين بخطوة ذكية وغريبة، طلب منه معروفاً صغيراً، وهو أن يعيره كتاباً نادراً جداً من مكتبته الخاصة. وافق الخصم وأرسل الكتاب، وبعد أسبوع أعاده فرانكلين مع رسالة شكر دافئة. المفاجأة كانت في لقائهما التالي، حيث تحدث هذا الخصم المتغطرس إلى فرانكلين، لأول مرة، بتهذيب شديد، وأبدى استعداده لخدمته في أي وقت، وتحولا منذ تلك اللحظة إلى صديقين حميمين العمر كله. كتب فرانكلين في مذكراته بوصف هذا الدرس البليغ الذي تعلمه من التجربة: «إن الذي صنع لك معروفاً مرة، سيكون أكثر استعداداً لفعل آخر، موازنة بذلك الذي ألزمته أنت بمعروفك».
العقل لا يقبل التناقض، فهو لا يستطيع أن يجمع بين فكرتين: أنا أكره هذا الشخص، وفي الوقت نفسه: أنا أسديت له معروفاً. لكي يحل العقل هذا التناقض، يقوم لا شعورياً بتغيير مشاعرك لتقنع نفسك: بما أنني ساعدته، فلا بد أنه شخص جيد ويستحق.
الدرس هنا ليس دعوة للاستغلال، بل لتصحيح التوازن. في علاقاتنا، نحن نخشى أحياناً أن نطلب المساعدة خوفاً من أن نكون عبئاً، دون أن ندرك أننا بهذا الطلب نمنح الآخر شعوراً بالكفاءة والتقدير والاحترام حتى، ونعطيه فرصة ليحبنا. العلاقات القوية ليست طريقاً باتجاه واحد للعطاء، بل هي شيء متبادل بين الأخذ والعطاء، والشعور الذي يجعل الطرف الآخر يحس به.

[email protected]