تعيش القارة الأوروبية مرحلة مفصلية في تاريخها، حيث أصبحت العجوز غير القادرة على الدفاع عن مصالحها واختيار حلفائها، بعد أن هاجمتها الأمراض واستهان بها الحلفاء كما الأعداء، رغم اتحادها الذي لم يستطع مواجهة تحدياتها، وتحوّل من مصدر قوة لها إلى مبرر لنيل الكثير من أحزابها اليمينية منها وكذلك المستهدفون لها من الأصدقاء وغير الأصدقاء.
الضعف الأوروبي ليس وليد اليوم ولكنه نتيجة تراكمات من عدم الاستقرار السياسي الذي تعانيه كثير من دولها والتي أصبحت الحكومات تتغير فيها بسرعة تفوق ما يحدث في أكثر دول العالم الثالث، والفرق الوحيد أن بعض الدول الإفريقية غير المستقرة تتبدل فيها الحكومات ما بين عشية وضحاها بالانقلابات العسكرية في حين أن دولاً أوروبية يحدث فيها ذلك باسم الديمقراطية، وهو الأمر الأخطر، حيث إن التغيير بالانقلابات العسكرية يكون تعبيراً عن إرادة المنقلبين على الحكم، أما التغيير في أوروبا فيكون تعبيراً عن عدم استقرار الرأي العام وفقدانه لليقين وهو يقول كلمته في الانتخابات، وبالتالي فإنه سرعان ما يتخلى عمن انتخبه بعد اكتشافه عجزه عن تنفيذ وعوده وحل مشاكله التي تتفاقم عاماً تلو الآخر.
أوروبا الآن عالقة بين فكي كماشة، روسيا وأمريكا، كلاهما يحاول استغلال ضعفها بطريقته، يستهدفها سواء بداعي تصفية حسابات قديمة متجددة أو بداعي السيطرة والتحكم فيها اقتصادياً واقتيادها سياسياً، روسيا العدو التقليدي للقارة العجوز، أمريكا الحليف الأهم لأوروبا التي قبلت على مدى ما يقرب من ثمانية عقود مضت أن تكون التابع، ولكن يبدو أن ذلك وحده لا يرضي أمريكا الترامبية، التي تريد لأوروبا أن تسلم قرارها لواشنطن.
موقف روسيا من أوروبا مبرر، فالصراعات بينهما قديمة والأزمات كثيرة، وأوروبا قبل الاتحاد وبعده عاشت التوجس والقلق من طموحات الدب السوفييتي سابقاً والروسي حالياً، وتآمرت عليه مرات ومرات، ولو أن روسيا تغاضت عن كل المواقف الأوروبية السابقة تجاهها، واكتفت بمحاسبة الأوروبيين فقط على موقفهم من الحرب مع أوكرانيا فلن تلقى لوماً، خصوصاً أن أوروبا لم تكن داعماً دبلوماسياً فقط في الحرب ولكنها كانت وما زالت شريكاً فعلياً، بل ومحرضاً وممولاً لاستمرارها ما يقرب من 4 سنوات، قدمت من المال المليارات وقبلت بالآثار السلبية لذلك على اقتصاداتها المهدَدة، وقدمت من السلاح ما أنتجته مصانعها وما استوردته من غيرها، وهو ما دفع روسيا وغيرها مراراً إلى التحذير من حرب روسية أوروبية تقود إلى حرب عالمية.
أمريكا، أمر آخر، فهي الحليف الذي وضع حليفه في مرمى نيرانه، خلال الفترة الأولى لإدارة الرئيس ترامب، سواءً بالانسحاب من اتفاقيات ومنظمات دولية تتخذ من عواصم أوروبية مقراً لها، أو بالتشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي، وإجباره بزيادة حصة أعضائه في ميزانية الحلف، ناهيك عن النزاعات التجارية.
الصديق الأمريكي يبدو أنه قرر مؤخراً إحراق حليفه الأوروبي، بعد أن جاهر بعدائه له وعدم رضاه عن سلوكياته ومواقفه جملة وتفصيلاً في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة التي تحذر أوروبا من انهيار قادم بسبب سياساتها في الهجرة والطاقة، وتعّبر عن عدم رضا عن أنظمة الحكم الأوروبية الحالية ورغبة في تغييرها بأنظمة يمينية أكثر تطابقاً مع الإدارة الترامبية. ما زاد المخاوف الأوروبية أن ترامب لم يكتف بما ورد في الوثيقة ولكنه واصل تحذيراته لها في أكثر من مناسبة أطل خلالها إعلامياً.
أمريكا تنتقد أوروبا وتريدها أن تغلق أبوابها في وجه المهاجرين لتعود «مسيحية بيضاء»، وكأنها تنسى أنها هي أمة من المهاجرين القادمين من مختلف قارات الدنيا، وتتناسى أن ربع القوى العاملة اليوم في أوروبا من المهاجرين، ولو أنه تم طرد هؤلاء لسقطت أوروبا اقتصادياً ليس خلال عقدين كما تزعم الوثيقة الأمريكية ولكن خلال أشهر معدودة.
أوروبا خاضت الكثير من الصراعات ودخلت العديد من الأزمات وحاربت على جبهات مختلفة تنفيذاً لإرادة أمريكا، ولكن وثيقة الأمن القومي الأمريكي تؤكد أن الغد سيكون مختلفاً عن الأمس، وأن على أوروبا تسليم قرارها السياسي والاقتصادي لأمريكا وإلا فإن الاتحاد الأوروبي إلى تفكيك ليسهل ابتلاع الدول الأوروبية واحدة تلو الأخرى، ولا مانع من اقتسام القارة العجوز مع أقوياء اليوم ليكون لروسيا نصيبها الوافر.

[email protected]