كم مرة أكملت مشاهدة فيلم ممل جداً حتى النهاية فقط لأنك دفعت ثمن التذكرة؟ وكم مرة استمررت في ارتداء حذاء غير مريح لأنه كان باهظ الثمن، أو لأن شكله جميل؟ كم مرة تمسكت بصداقة مرهقة، أو وظيفة لا مستقبل لها، بحجة أنك قضيت فيها سنوات طويلة، ولا تريد لتلك السنوات أن تضيع هباء؟
يميل البعض بشكل طبيعي إلى الاعتقاد بأن الاستمرارية دليل على قوة التحمل والصبر، وأنها طريق النجاح، بينما الانسحاب علامة فشل، لكن علم النفس السلوكي يخبرنا بأن هذا التمسك قد يكون مجرد خدعة عقلية اسمها «مغالطة التكلفة الغارقة»، وهي مغالطة منطقية شهيرة. هذه المغالطة تجعلنا نتخذ قراراتنا بناء على ما خسرناه في الماضي، وهو شيء لا يمكن استعادته، بدلاً من التركيز على ما سنكسبه في المستقبل.
نحن نستمر في الحفر في الحفرة نفسها، وليس لأننا نريد البقاء فيها، بل لأننا تعبنا في حفرها! وقد وثق الباحثان هال أركس وكاثرين بلومر هذه الظاهرة في دراستهما الشهيرة عام 1985. في إحدى تجاربهما الذكية، طرحا سيناريو على المشاركين كالتالي: تخيل أنك حجزت رحلة تزلج إلى ميشيغان، بمئة دولار، وحجزت رحلة أخرى أكثر متعة إلى ويسكونسن، بخمسين دولاراً، واكتشفت لاحقاً الخطأ، وهو أن الرحلتين في اليوم نفسه، ولا يمكنك استرداد المال. عليك اختيار واحدة فقط.
المنطق يقول: اذهب للرحلة الأكثر متعة، إلى ويسكونسن، فالمال ضاع في كلتا الحالتين، لكن النتيجة كانت صارمة، حيث اختار أكثر من نصف المشاركين الذهاب في الرحلة الأقل متعة ميشيغان، لأن تكلفتها كانت أعلى 100 دولار! لقد ضحوا بمتعتهم الحالية والمستقبلية، فقط كي لا يشعروا بمرارة إهدار المبلغ الأكبر. يعرّف الباحثان هذه الظاهرة في البحث قائلين: «ميل لمواصلة السعي بمجرد القيام باستثمار في المال أو الجهد أو الوقت. هذا السلوك غير عقلاني لأن التكلفة السابقة يجب ألا تؤثر في القرار الحالي».
الدرس هنا قاس، ولكنه مهم، ما دفعته في الماضي سواء كان مالاً، أو مشاعر، أو سنوات من عمرك، هي تكلفة غارقة، لن تعود، سواء بقيت أو رحلت. السؤال الوحيد الذي يستحق الطرح ليس: كمْ خسرت لأصل إلى هنا؟ بل هل أنا سعيد هنا الآن؟ أنا لا أدعو للتخلي عن الطموح أو الانسحاب من أول مطب، لكن أحياناً، يكون الانسحاب هو قمة الشجاعة، والاعتراف بالخسارة الصغيرة اليوم، هو الربح الحقيقي الذي سوف يمنحك الفرصة لتجربة طموحة غداً، فإذا كان الفيلم غير ممتع، لست مجبراً على إكماله حتى النهاية لمجرد أنك دفعت قيمة التذكرة.
احذر مغالطة التكلفة الغارقة
21 ديسمبر 2025 00:44 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 ديسمبر 00:44 2025
شارك