يُقال إننا في عصر انتقلت فيه الصورة من وظيفتها في التوثيق، إلى المحاكاة، فبعد أن كانت الصورة دليلاً مادياً على الوجود، والكاميرا عبارة عن جهاز بصري ميكانيكي، لا تفكر ولا تختار، وكأن الصورة كانت تقول لنا: هذه اللحظة حدثت بالفعل. وليست الصورة الثابتة وحسب، بل حتى المتحركة، الفيديو، كانت تبرهن وتدلل على اللحظة ووقوعها.
وكان التلاعب في الصورة مكلفاً وبطيئاً وغير مسموح به، ويتضح من خلال مختص في هذا المجال، أو بدقة الملاحظة عند البعض.
في التسعينات وما بعدها، تجاوزت الصورة هذا النمط والتوصيف، فلم تعد عبارة عن مصفوفة أرقام، حيث بات الفيديو قابلاً لإعادة التشكيل، والصوت عبارة عن بيانات يمكن قصها وتنظيفها وتركيبها، ومعها صار المونتاج ليس مهارة نادرة، بقدر ما هو وظيفة متاحة. ولكن هذا جميعه، يقف خلفه إنسان يحرّكه، بمعنى أن التزوير والتلاعب بالصورة يتمّان بواسطة إنسان لديه نية وجهد وعمل، ليحقق هدفه المظلم.
في هذا العصر، أعتقد أن الصورة بدأت تتخيل، وبدأت أدوات ذكاء اصطناعي تقليد الوجوه، ولم تعد محصورة في تركيب صورة على صورة، بل تعلم وتطور تم فيه صناعة ملامح الوجه، والتعابير، والحركات الدقيقة، وكأن الخوارزميات تجاوزت النسخ إلى تعلم أن تكون هي ما تريده، بدقة بالغة وكبيرة، بل إن الصوت الذي كان تزويره أصعب من الصورة انهار دفاعه الأخير، حيث يتم الآن نسخ بضع دقائق لصوت حقيقي، وتكون كافية لاستنساخ نبرة الشخص، وإيقاعه، وتردده، وتلعثمه، وحتى مخارج الحروف، والنتيجة صوت إنسان، يقول ما لم يقله، ويعترف بما لم يفعله.
نعم لقد فقدت الصورة براءتها، والفيديو فقد حصانته، والصوت فقد الخصوصية. والذي لا يعي، ولا يفهم ما حدث، سيصبح عاجزاً عن معرفة الحقيقة، وبعيداً تماماً عن الواقع.
أمام هذه الصناعة التي نشاهدها، من تزوير المشاهد والمقاطع، لم يعد المطلوب كشف هذا التزييف فقط، بل نحتاج إلى نمو ثقافة الشك المفيد، والبحث، وفهم أن الصورة يمكن تزويرها بسهولة وببساطة متناهية، والأهم أن ما نشاهده يحتاج إلى مرجعية وتوثيق. نحتاج إلى مبادرة قوية مستمرة توضح هذا الجانب للناس.
فقدان البراءة والحصانة والخصوصية
22 ديسمبر 2025 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 ديسمبر 00:15 2025
شارك