يونس السيد
تساؤلات كثيرة باتت تطرح حول جدوى دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاستئناف الحوار مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول أوكرانيا، وما إذا كانت هذه الدعوة ستلحق بمبادرات سابقة كانت أشبه ب «حوار الطرشان» بين الجانبين، أم أنها ستحقق ما لم تحققه المفاوضات الدائرة حول خطة السلام الأمريكية.
يبرر ماكرون مبادرته التي أطلقها عقب اجتماع القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل، بأن هناك أشخاصاً كثراً يتحدثون مع بوتين، وأن «من مصلحة الأوروبيين والأوكرانيين إيجاد إطار لفتح نقاش رسمي مع روسيا، وإلا فإننا سنظل نناقش الأمور فيما بينناَ». وبطبيعة الحال، لم يتردد بوتين في الترحيب بهذه الدعوة، عبر مؤتمره الصحفي السنوي، الذي وجد بدوره صدى مماثلاً لدى الإليزيه، لكنه ترك الكثير من الشكوك والتساؤلات لدى الشركاء الأوروبيين، رغم التطمينات الفرنسية في هذا المجال.
ومع ذلك لم تمر هذه الدعوة مرور الكرام لدى الأوروبيين الذين رأوا فيها نوعاً من التفرد الفرنسي، وأن ماكرون بدعوته المفاجئة بات يغرد خرج السرب، خصوصاً أنه لم يتشاور مع الشركاء الأوروبيين. ومع أن المستشار الألماني ميريتس سارع إلى الإعلان بأن هذه الدعوة لن تؤثر في وحدة الموقف الأوروبي، إلا أن ذلك لم يحجب حقيقة الانقسام الأوروبي حول أوكرانيا، كما أنه لم يخف القلق من استبعاد أوروبا من المفاوضات والانفراد الأمريكي بحل الأزمة الأوكرانية على الرغم من المشاركة الأوروبية في المفاوضات الدائرة حالياً. وربما كان هذا الشعور من الدوافع التي جعلت ماكرون يعتقد بعدم وجود رغبة لدى واشنطن وموسكو، على حد سواء، بمنح أوروبا دوراً حقيقياً في حل الأزمة، وبالتالي فهو يرى أنه لا بد من التفاوض مع موسكو في نهاية المطاف.
لكن الدهشة لم تفارق المراقبين والمحللين، إزاء كيفية انتقال ماكرون من الموقف إلى نقيضه، من محاولاته تزعّم القارة الأوروبية وتبنيه مواقف هي الأكثر حزماً في دعم أوكرانيا مالياً وعسكرياً، من جهة، ومن جهة أخرى فرض عقوبات اقتصادية وممارسة أقصى الضغوط على موسكو، إلى الحوار مع بوتين. ومن تشديد الحصار والتحشيد الأوروبي لحرب مع روسيا إلى كسر الجدار الأوروبي والعزلة الدبلوماسية المفروضة عليها.
وتستمر التساؤلات حول كيفية تفسير مطالباته بزيادة الدعم لأوكرانيا، وتوقيعه مع زيلينسكي صفقة لتزويد أوكرانيا بمئة طائرة مقاتلة من طراز رافال، مؤخراً، علاوة على دعواته لإرسال قوات إلى أوكرانيا لردع روسيا.. وما إذا كانت دعوته للحوار ستمنح بوتين فرصة للعب على الانقسامات الأوروبية.
من المبكر الحصول على إجابات عن كل هذه التساؤلات، وما إذا كان ماكرون سيمنح تفويضاً للتحدث باسم أوروبا أو أنه سيتحدث باسم فرنسا وحدها، سعياً لتحقيق «سلام متين» في أوكرانيا، حسب قوله، وسط تمسك روسيا بأهدافها المعلنة، التي لم تتغير منذ بداية الأزمة الأوكرانية.