عبدالله السويجي
يستيقظ الناس كل يوم على مفردة (الحرب)، التي لا يعرف أثرها الإنساني والمادي والأخلاقي سوى الشعوب التي اختبرتها وعانت منها، فضحاياها لا تقتصر على الجيوش المتحاربة إنما تشمل المدنيين أيضاً من كل الأعمار، كما تشمل العمارة والبيئة والإنجازات العلمية والروحانية، ونتائجها ليست في الخاسر والرابح، لأن الجهتين يمكن اعتبارهما في عداد الخاسرين. وقد يتعجب الإنسان من حماسة فئة غير قليلة من الناس التي تغذّي التوجه نحو الحرب، بغض النظر عن المبررات الدينية والاجتماعية والوطنية.
الحرب لا تعني سوى أمر واحد هو رؤية الموت يتجول في الطرقات والأمكنة، وسماع أنين الناس في كل مكان، وسماع اللعنات على القادة الذين يحرّضون على ذلك، لأن قدرة الإنسان على الاحتمال محدودة.. قدرته على احتمال النزوح والتهجير وفقدان الأحبة ودمار القيم وانتشار الفلتان، كلها محدودة، بل لا يمكن تحمّلها خاصة إذا طالت.
ولو رصدنا الحروب الطويلة في التاريخ سنجدها تلك المسماة بالحروب الأهلية أو النزاعات الداخلية، تلك التي دمّرت المجتمعات ولم تحقّق الغاية التي نشبت من أجلها، ولو علم المتصارعون أن لا أحد يمكنه إلغاء أحد من الوجود لما انخرطوا في الحروب الأهلية أو الداخلية، ولم أجد أقوى من قول الفيلسوف الإنجليزي الأمريكي توماس بين، وهو الذي شهد حروباً أهلية وكافح لفصل أمريكا عن بريطانيا، عن الحرب: «أنا أكره الحرب، فهي أسوأ الطرق لإبقاء الإنسان في هوّة الاحتقار وتحويله إلى وحش ضار».
وسندرك هذا المعنى تماماً حين نعلم أن الحرب الأهلية الصينية التي بدأت في عام 1927 وانتهت في عام 1949 راح ضحيتها نحو 8 ملايين قتيل. والحرب الأهلية الأمريكية التي بدأت في عام 1861 وانتهت في عام 1865، راح ضحيتها نحو 700 ألف إنسان. أما الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في عام 1975 وانتهت في عام 1990 فراح ضحيتها 50 ألف قتيل، بينما النزاع السوري الداخلي بين مختلف المتصارعين، الذي انطلق في عام 2011 فقد أودى بنصف مليون قتيل، أما عدد الجرحى في تلك الحروب فيزيد بكثير على أعداد القتلى.
وإضافة إلى تأثير الحروب الأهلية على الأرواح والجانب المادي فإنها تفكك الروابط الاجتماعية فيسود الخوف وعدم الثقة والريبة بين الناس، ناهيك عن تراجع قيمة الحياة الإنسانية فتصبح حياة الفرد أقلّ شأناً أمام منطق القوة والسلاح، ونضيف انهيار القيم الأخلاقية فتغيب قيمة الرحمة والتسامح وتُستبدل بالقوة والسّيطرة. وكما قال أرسطو: «الحروب تنشأ عندما تفقد العدالة مكانها بين الناس، وإن مستقبل الإنسانية يتوقف على قدرتنا في جعل القيم الإنسانية أقوى من نيران الحرب..».
ورغم هذا القول الذي يحمل الكثير من الحكمة إلا أن العالم شهد بعده عشرات بل مئات الحروب والغزوات، وأضخم حربين شهدهما العالم هما الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثالثة، إذ راح ضحية الأولى 40 مليوناً بين عسكري ومدني وجريح، بينما راح ضحية الثانية بين 21 و25 مليون عسكري من بينهم خمسة ملايين أسير حرب ماتوا في الأسر، وراح ضحية الحرب من المدنيين ما بين 50 إلى 55 مليون مدني. وقد أدرك العالم أينشتاين فداحة الخسائر البشرية وتطور الأسلحة الفتاكة وزيادة تعطّش بعض القادة للحرب وأن الإنسان لم يتردّد في استعمال السلاح النووي حيث حصدت قنبلة هيروشيما وحدها 166 ألف إنسان، ولهذا قال: «لا أعرف بأي سلاح ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة..».
إننا نضع هذه الأرقام في عهدة القيادات العسكرية العالمية، خاصة أمام صانعي القرار في الدول العظمى، ونضعها أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظماتها الكثيرة، وكذلك أمام المفكّرين المنظّرين. إننا على يقين بأنهم يعرفون تلك الإحصائيات والأرقام، ونطالبهم بدراستها من جديد، خاصة دمار الحضارة والإنجازات البشرية العلمية والحضارية والأدبية والفنية، والنظر إلى القيمة الحقيقية للإنسان، وأن يطبقوا حقوق الإنسان، ولا ينظرون إلى أجناس وجنسيات بعينها على أنها فائض بشري وعالة على البشرية والإنسانية، فهذه نظرة فيها الكثير من التمييز العنصري، والحقد التاريخي، والضغينة والثأر، وهي مفردات لم تعد تليق بالحضارة التي وصل إليها إنسان القرن الواحد والعشرين، الذي كتب وأسس لأفكار مثل التسامح والتعاون الدولي والمسؤولية المجتمعية وتحسين نوعية الحياة، وتطبيق القانون، ونصرة المظلوم وأن تحيل قضايا الصراعات والنزاعات إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية، وأن تحترم قراراتها وتنشر الوعي بأهميتها لتجعلها مستدامة.
نقول هذا الكلام لأن بعض الدول العظمى تدق طبول الحرب، وتهدّد وتتوعّد دولاً أخرى عظمى أيضاً، ولنتخيّل نشوب حرب طاحنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، عندها ستتحقق مقول ألبرت أنشتاين بأن الدول ستحارب بعضها بالعصي والحجارة، كناية عن موت الحضارة الإنسانية.
ولا نملك إلا أن نردد مع الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: «إن الحرب لا تصنع إلا الموت، أما السلام فيصنع الحياة..».