هل خطر هذا السؤال على بال المثقفين؟ هل يحتاج الأدب العربي العريق، إلى تنمية شاملة عربية في زماننا؟ بوضوح: هل تحتاج أمجاد القرون الخالية، إلى أمجاد حديثة، تضمن لها الاستمرارية، وتبرهن على صدقيتها؟ مفاخر العصور الماضية، وصور الخيال الشعري المجنّحة فخراً، لا يمكن أخذها على محمل الجدّ، إذا كان إطارها البيئي اليوم، مناقضاً للمسطور على سجلّها التاريخي. التضارب الفاقع، يجعل المشهد كاريكاتورياً.
لكي يستطيع الميراث الثقافي أن تكون لها قامة وهامة، لا بدّ من توافر عنصر الاستمرارية، لأنها الأوكسجين الذي يسري في شرايين السنين. وإلّا فكيف يجرؤ القوم على أن يجري على اللسان: «إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ.. تخرّ له الجبابر ساجدينا»؟ اليوم، حتى لا ينتقل المسرح من الملحمي إلى الكوميدي، يجب أن يكون المُخرج أبا الطيب أمام سيف الدولة: «يهزّ الجيش حولك جانبيْهِ.. كما نفضت جناحيها العُقابُ». التحشيد سيكون أبعد مدى، إذا أردت أن تزحف الجيوش الجرّارة، وتُبحر الأساطيل، عندما يصدح ابن كلثوم: «ملأنا البرّ حتى ضاق عنّا.. وماء البحر نملؤه سفينَا». هل ينبغي تصديع أرجاء الوادي بصيحة «وامعتصماه»، زهواً وانتشاءً، بينما أربعمئة مليون عربي، في حالة وجوم أمام خيام النايلون المهترئة، في شتاء غزة؟.
انقطاع الاستمرارية، قطيعة مع الماضي. ليس المطلوب استمراريةً عشواء، فلكلّ تاريخ سلبيّات. لهذا على المثقفين في كل حقبة، أن يجدّدوا حياة منظومة القيم التي تناسب زمانهم، مع استشراف للمستقبل. أنكى الأدهى في الفكر الثقافي، في العالم العربي، هجرة المثقفين إلى سوبر ماركت المستوردات، من أجناس الأدب والفنون وأشكالها، وفي التيارات النقدية، افتتاناً بالموضات وصيحاتها.
تهافت المراهقين على سراويل الجينز الممزقة، تراه في الفنون والآداب، في تهافت المراهَقة الثقافية على هيئة ارتماء في أنماط التجريد والمونتاج في الفنون التشكيلية وقصاصات النصوص، التي تنتحل صفة الإبداع الشعري. هل يجوز أن تكون تلك الشطحات اللاوعية ضمن مناهج اللغة والآداب؟ هل في الإمكان تدريس العبث الموسيقي في معاهد الموسيقى؟ كيف نضمن الاستمرارية ليكون اليوم ابن الأمس؟ الثقب الأسود الرهيب، هو كيف نُوازن الحاضر بالماضي، في مهابة الأمّة ومكانتها في الجغرافيا السياسية والاستراتيجية؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: لا يمكن ضمان الاستمرارية لأمجاد الماضي، إلّا بتشييد أمجاد الحاضر. اصنعوا للعرب «ماغا» على مقاسهم؟.

[email protected]