الحيوية والنشاط والجدية في أداء المهام والأعمال من البديهيات، بل إنها من المتطلبات. ومهما كان نوع العمل، تبقى مثل هذه المتطلبات حاجة ملحة لدى كل مدير وقائد عمل، لكن هناك من يعمل بجدية، ومع هذا فإن الإنتاجية تكون متدنية، يحضر للعمل في أوقات العمل، وقد يغادر مقر عمله متأخراً، لكنه مع هذا متعثر في الإنجاز والإنتاج، بمعنى أنه قد تجد موظفاً متواجداً في مكتبه 12 ساعة يومياً، وموظفاً آخر يعمل في حدود 8 ساعات فقط، ومع هذا لا يمكن اعتبار الموظف الذي يعمل 12 هو الأفضل، لأن هناك قياساً آخر مختلفاً تماماً عن الحضور والانصراف، ومختلفاً عن عدد ساعات البقاء في العمل، وهو قياس الإنتاجية. في أحيان، الحضور المطلوب يتمثل في عدد المبادرات التي أنجزتها، وفي عدد المهام والمشاريع التي تم الانتهاء منها.
وهذا يبين لنا أن الجدية في العمل ليست سبباً للتميز، ولا في التقدم، صحيح أن هذه الجدية قد تجعلك سريعاً، لكنها قد لا تقودك نحو أهم نقطة في بيئات العمل، وهي الإنتاج. سوق العمل لا يكافئ على النيات وعلى المجهودات، بل على القيمة، وما يتحقق من فوائد، وعندما نفهم هذه الآلية، نفهم كيف نعمل وما الذي نركز عليه. هناك دراسات أكاديمية في علم الاقتصاد وعلم إدارة الأعمال، تظهر أن زيادة ساعات العمل أو زيادة الجهد لا تؤدي، تلقائياً، لزيادة الإنتاجية، ومنها دراسة مهمة حملت عنوان «ساعات العمل والإنتاجية» نشرت في عام 2017 في المجلة المحكمة «اقتصاديات العمل» في ألمانيا.
وكانت أهم نتائجها أن زيادة ساعات العمل لا تعني زيادة الإنتاجية في الساعة، وعند زيادة ساعات العمل، ارتفع متوسط زمن التعامل مع المكالمة، ما يعني أن الموظفين يصبحون أقل إنتاجية لكل ساعة عمل، وأن الإرهاق والتعب يلعبان دوراً مهماً حتى في وظائف بالغة البساطة مثل العمل الجزئي في مراكز الاتصال، وخلصت إلى نتيجة نهائية هي أنه: كلما زادت ساعات العمل قلت الإنتاجية.
كثيرة هي الدراسات والبحوث التي بينت بما لا يدع مجالاً للشك أن معيار التفوق لم يعد في عدد الساعات، بل في القيمة التي يتم إنتاجها، وأجد أن على قادة الموارد البشرية التوقف مع هذا الواقع الجديد، ومراجعة سياسات العمل، لأن الهدف الإنتاج، وليس صف الموظفين على مكاتبهم.