ربما أكثر ما يميز النشاط الثقافي في الدولة هو تلك الدقة وذلك الانضباط الشديد في أن تكون الفعاليات السنوية في موعدها المحدد، وظلت الإمارات في كل عام توفي بخريطة الحراك الثقافي بصورة كبيرة، بل إن في بعض الأحيان وعندما تكون هناك ظروف قاهرة تحول دون انعقاد المهرجانات والفعاليات في موعدها، مثلما حدث أثناء جائحة كورونا قبل سنوات، فإن المؤسسات الثقافية بذلت جهدها في إقامة الأنشطة عبر المنصات الافتراضية، ولعل ذلك الحرص الشديد هو الذي جعل الإمارات في مقدمة الدول التي نجحت في العودة السريعة إلى النشاط عقب ذلك التوقف.
ولعل تلك الدقة أدت إلى نجاح الموسم الثقافي في العام المنصرم، حيث أقيمت معظم، إن لم يكن كل، الفعاليات الكبيرة في موعدها المحدد، ليس ذلك فحسب بل نجد أن العديد من تلك الأنشطة قد تطورت على مستوى التنظيم والأفكار، خاصة أن تلك الأنشطة باتت تضع في اعتبارها التطورات الكبيرة في مجال التكنولوجيا في مختلف أنواعها وأشكالها، فرأينا كيف أن فعاليات مثل المهرجانات المسرحية باتت توظف بشكل لافت منجزات الثورة التقنية والرقمية على مستوى العروض، ويتضح ذلك في فعاليات مثل مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، وصارت العروض تجمع بين الديكور المعتاد وبين التقنيات الحديثة بشكل يصنع صورة بصرية لافتة وباهرة تجعل الأطفال يحلقون في عوالم من السعادة والبهجة، إضافة إلى الأفكار المختلفة والمبتكرة التي تنسجم مع ذلك التطور التكنولوجي لتوصيل ذات رسائل المسرح بشكل عصري.
ومن فوائد ذلك التوجّه في مسرح الطفل، وجميع الإبداعات الخاصة بالصغار، هو أنه يقلل من ذلك الاندفاع الكبير نحو الأجهزة الحديثة من قبل الأطفال، الذين باتوا يقضون معظم وقتهم فيها، عبر توجيههم إلى مشاهدة تلك الفنون والإبداعات المسرحية وغيرها والتي تستوعب التطور التكنولوجي ومتغيرات العصر، فهذه التحولات لا تقتصر على التقنيات والأجهزة فقط، بل وكذلك على مستوى العقول والأفكار، فكان لابد من رؤى فنية تستوعب كل ذلك.
الذين شاهدوا فعاليات اليوم الإماراتي للمسرح، تملكتهم الدهشة والغبطة في ذات الوقت وهم يرون نجوماً من الزمن الجميل من الذين انتقلوا إلى رحاب ربهم، وهم بينهم يخاطبونهم عبر تقنية الهولوجرام، ولم يكن ذلك الأمر من أجل الفعل الاستعراضي فقط، لكن من أجل توضيح كيف أن التطور التكنولوجي ومن بينها الذكاء الاصطناعي بات يهيمن بشكل كبير ولابد من توظيفه في الأعمال الإبداعية وفي مجمل الناشط الثقافي.
والواقع أن ذلك الأمر لم يكن حكراً على الممارسات الفنية والإبداعية في مجال المسرح فقط، بل وكذلك أنشطة مثل معارض الكتب، حيث رأينا كيف تم التعبير عن المتغيرات التكنولوجية والعصرية في عروض مصاحبة، وعلى مستوى الترويج للكتب، وكذلك في ما يتعلق بالمؤلفات غير الورقية مثل الكتاب الالكتروني والكوميكس والمانجا والمنصات الحديثة داخل المعرض مثل خدمة البودكاست بأشكالها الحديثة، وكذلك فإن المتابعين لمهرجان الفنون الإسلامية وجدوا أن العديد من الفنانين قدموا تكوينات وتجهيزات فنية تعتمد على التقنيات الحديثة في الضوء والألوان وغير ذلك من وسائل استخدمت في إنتاج الأعمال الإبداعية المشاركة.
ومن المؤكد أن ذلك الأمر جعل للموسم الثقافي في الدولة خلال العام 2025، متعة خاصة تمثلت في ذلك الجمع في توظيف التقنيات القديمة والحديثة، وذلك ما يشير إلى أن المواسم الثقافية في الدولة تولي اهتماماً كبيراً للتحولات العصرية والاجتماعية وتعبر عنها بشكل مباشر من خلال الأنشطة المختلفة، فالمسألة ليست فقط في الاهتمام بالانضباط في إنجاز الفعاليات الثقافية في وقتها المحدد، بل في جوهر تلك الأنشطة والمهرجانات نفسها واقترابها من الجمهور ومن المجتمع.