خالد راشد الزيودي *

تدخل الإمارات العربية المتحدة عاماً جديداً وهي أكثر ثباتاً في خياراتها، وأكثر وضوحاً في بوصلتها، وأهدأ في ممارستها للسياسة، تحت قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وبمساندة نائبيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، إلى جانب أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكّام الإمارات، وسمو أولياء العهود ونواب الحكّام. قيادةٌ لم تُراكم حضورها بالصوت العالي، بل بالمواقف المتزنة، ولم تبنِ مكانتها الدولية عبر الخصومات، بل عبر وضوح الرؤية واستمرارية النهج.

في عالم يزداد ضجيجاً واستقطاباً، تبدو الإمارات نموذجاً مختلفاً في إدارة السياسة الخارجية. فهي لا تنجرف خلف الاستفزاز، ولا ترى في الصراعات وسيلة لإثبات الذات، بل تنطلق من قناعة راسخة بأن الاستقرار قيمة استراتيجية، وأن السلام شرطٌ للتنمية، وأن العلاقات المتوازنة أبقى أثراً من مكاسب خطابية عابرة. هذا الاختيار لم يكن طارئاً، بل مسار متراكم صقلته التجربة، وعمّقته القراءة الهادئة للتحولات الدولية.

خلال السنوات الماضية، ومع تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية، حافظت الإمارات على سياسة خارجية تتسم بالاتساق والوضوح. تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول، دون ازدواجية أو شعارات فضفاضة. هذا الوضوح هو ما منحها مصداقية متراكمة، وجعل مواقفها مفهومة حتى لمن يختلف معها. فالدول تُحترم عندما تكون سياساتها قابلة للتوقع، وعندما لا تغيّر مبادئها بتغيّر المزاج السياسي.

وفي مقابل ذلك، ظهرت أحياناً أصوات تحاول التشويش على التجربة الإماراتية بدوافع غير موضوعية، غالباً ما تعكس أزمات داخلية أكثر مما تقدّم قراءة منصفة للواقع. هي أصوات تنطلق من دول تعيش تراجعاً سياسياً أو اقتصادياً، وتنعكس أوضاعها بوضوح في تقارير التنمية والاستقرار الدولية، فتحاول عبر خطابها أن تُسقِط إخفاقاتها على الآخرين. غير أن هذا الخطاب، مهما ارتفع، يبقى محدود الأثر، لأن صداه لا يتجاوز دوائره الضيقة، ولا يجد له مكاناً في ميزان الوقائع.

فالتجارب الناجحة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تحققه على الأرض، ومسيرة الإمارات العربية المتحدة أوضح من أن تُحجب بحملات انفعالية أو جدل عابر. والأهم من ذلك أن من يجهل طبيعة المجتمع الإماراتي لا يدرك أن قوة هذه الدولة لا تقوم فقط على سياساتها أو مؤسساتها، بل على شعبها، من مواطنين ومقيمين، ممن يجمعهم قدر عالٍ من الولاء والانتماء والإخلاص لهذا الوطن.

نهج الإمارات في السلام لا يعني الغياب عن القضايا الكبرى، بل الحضور العقلاني فيها. فهي تدرك أن العالم لم يعد يحتمل مزيداً من الصدامات، وأن إدارة الخلافات بالحوار أصبحت ضرورة. لذلك، انخرطت في مسارات الوساطة، ودعمت الاستقرار الإقليمي، واستثمرت في الدبلوماسية الإنسانية والتنموية، إيماناً بأن معالجة جذور الأزمات أجدى من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

كما تنطلق السياسة الخارجية الإماراتية من فهمٍ عميق لترابط الأمن والتنمية. فالدولة التي تسعى إلى ازدهار داخلي مستدام لا يمكنها تجاهل محيطها، ولا يمكنها بناء اقتصاد قوي في بيئة إقليمية مضطربة. من هنا جاء التركيز على الشراكات الاقتصادية، وتوسيع دوائر التعاون، وبناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب، دون ارتهان أو تبعية.

ومع دخول عام 2026، تبدو مسيرة الإمارات أكثر إشراقاً لأنها لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على التخطيط الطويل الأمد. هي مسيرة دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف أين تقف، وتدرك أن التاريخ لا يذكر من يكثرون الضجيج، بل من يصنعون الفارق بهدوء. وفي زمن يختلط فيه الصراخ بالحقيقة، تبقى الإمارات مثالاً على أن الوضوح أقوى من الاتهام، وأن العمل الصامت -حين يكون منظماً ومتسقاً- أبقى أثراً من الجدل العقيم.

السياسة الخارجية الإماراتية لم تسعَ إلى كسب معارك كلامية، بل إلى بناء الثقة. وهذه الثقة لم تُمنح مجاملة، بل اكتُسبت عبر مواقف متوازنة، وشراكات قائمة على الاحترام المتبادل، وقدرة على التحدث مع الجميع دون انغلاق أو اصطفاف حاد.

وفي العمق، تؤكد تجربة الإمارات أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما تُحدثه الدولة من توتر حولها، بل بما تخلقه من استقرار داخلها وحولها. فالدولة التي تبني نموذجاً تنموياً متماسكاً، وتحافظ على أمن مجتمعها، وتفتح اقتصادها على العالم، ترسل رسالة أعمق من أي خطاب: أن العقلانية ممكنة، وأن السلام خيار عملي، وأن النفوذ الحقيقي يُبنى بالتراكم والعمل المتزن وصناعة الاستقرار، لا بتصدير الأزمات.

كل عام والإمارات العربية المتحدة بخير، وهي تمضي بثقة في نهج السلام والوضوح، وكل عام والعالم أحوج إلى هذا النموذج الذي يبرهن أن السياسة يمكن أن تُدار بالحكمة، وأن الحضور المؤثر يُصاغ بالفعل قبل القول.

[email protected]

* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر.