د. ناجي صادق شراب
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي صدرت في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تعبّر عن رؤية ترامبية، كما جرت العادة في تقاليد السياسة الأمريكية أن كل رئيس جديد يصدر رؤيته في وثيقة تحت هذا المسمى. وتأتي هذه الوثيقة في سياقات سياسية، داخلية وخارجية، غير مسبوقة، وتقدم نفسها على أن ترامب هو «رئيس السلام»، ما يعني تفضيله السلام، ولكن وفق الرؤية التي تحكمها القوة، والمصالح، والثوابت الأمريكية التي لا يمكن لأي رئيس أن يتجاوزها، وتجنب الحرب لما لها من كلفة عالية. وتعبّر الوثيقة عن المنفعة الاقتصادية، ومقاربة الصفقات الكبرى التي تميز شخصية الرئيس ترامب. ومن جانب آخر، التوجه نحو العزلة الأمريكية، والنظر إلى نصف الكرة الغربية على أنها تمثل المجال الحيوي للسياسة الأمريكية، وهنا استحضار «مبدأ مونرو» الذي أصدره الرئيس جيمس مونرو، في خطاب له أمام الكونغرس عام 1825، مركّزاً على دول أمريكا اللاتينية باعتبارها المجال الحيوي للولايات المتحدة، ولا يجوز لأية دولة أخرى أن تنافسها، أو تسيطر عليها، ووقتها كانت الدول الأوروبية هي المسيطرة، أما اليوم، فهناك الصين وروسيا، تسعيان لبناء علاقات وشراكات استراتيجية مع دولها. لكن الوثيقة الأمريكية اليوم، تتمسك بشعار«أمريكا أولاً»، وتعتبر ترجمة لكتاب ترامب «فن الصفقات» الذي يستند إلى عقد الصفقات، فهو لا يميل إلى الحروب، على الرغم من التهديد بها، لأنها مضيعة للمال.
والجديد لدى ترامب في هذه المنطقة أنه يريد إخراج الصين وروسيا وإيران، من المنطقة، ولو بالقوة، والوثيقة تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:
* الأول، التركيز على نصف الكرة الغربية باعتبارها منطقة المجال الحيوي الأولى لأمريكا، وليس من حق أية قوة منافستها فيها.
* والثاني، أن المصالح هي معيار تصنيف العلاقات بين الدول، فالتصنيف بين الحليف والمنافس، والعدو والصديق، ما يعني عدم إيلاء القيم أية أولوية كالديموقراطية، وحقوق الإنسان، وقد ترجم ترامب ذلك في القيود على الهجرة بما يتوافق مع شعبويته، وعنصريته البيضاء.
* والثالث، التحذير من اندثار الهوية والحضارة الأوروبية بسبب تدفق موجات الهجرة إليها. وهي دعوة لنهاية النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الثانية. ويعبر عن هذا المحور عن الدور الأمريكي في أوكرانيا، وعدم معاداته روسيا، وعدم الدخول في تصعيد مع الصين نظراً للمصالح التجارية المتبادلة. وبالنسبة إلى أوروبا فإنها تتراجع سكانياً، وستفقد هويتها، وحضارتها، بفتح أبوابها للهجرة، خصوصاً الإسلامية.
هذا الموقف يفسر لنا دعمه وتأييده لتنامي التيارات اليمينية في أوروبا المعادية للهجرة. وخلاصة هذه الرؤية أن أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي قد انتهت، مثل «أطلس» في الأساطير الإغريقية القديمة، وهو الإله المعبود الذي يحمل السماء على كتفيه وكأنه يريد أن يقول في هذه الاستراتيجية «أمريكا أولاً»، ولينظر كل لمصالحه، وأمريكا غير مستعدة لتحمل عبء العالم.
الرئيس ترامب يبحث عن شرعية ومبررات لوثيقته بالرجوع إلى «مبدأ مونرو»، بخاصة ما يتعلق بتهديداته لفنزويلا. والهدف من الوثيقة ليس كما يوحى بأن أمريكا ستتبنى العزلة، وتغلق حدودها، بل تعمل على تعزيز هيمنتها عالمياً، من خلال التركيز المكثف على موارد الطاقة والذكاء الاصطناعي.
ولعل ما يعنينا من هذه الوثيقة رؤيتها لمنطقة الشرق الأوسط، وقضاياها التي ازدادت تعقيداً، نظراً لأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية. والسؤال: هل بقيت المنطقة تحتل الأولوية التي احتلتها في استراتيجيات الإدارات السابقه؟ هنا أشارت الوثيقة إلى أنه على مدار خمسين عاماً ومنطقة الشرق الوسط تعتبر منطقة أولوية، بسبب أهميتها الجيوسياسية، ولكونها مصدراً للطاقة، ومسرحاً للتنافس بين القوى الكبرى. أما اليوم، فلم تعد تشكل منطقة صراع وتنافس، ولم تعد أهميتها النفطية كما كانت، ومع ذلك، تبقى للمنطقة أهميتها نظراً لوجود إسرائيل، وأمنها وبقائها، لذلك تسعى واشنطن للبحث عن السلام الشامل، وإغلاق ملف القضية الفلسطينية، والحديث عن مسار للدولة الفلسطينية.
يبقى أن هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تخرج عن كونها إعادة لترتيب الأولويات في السياسة الأمريكية، خارجياً وداخلياً، وإعطاء أولوية للقضايا الداخلية، وهي رسالة لكل الدول، خصوصاً للدول العربية، أن تعيد صياغة أولوياتها في زمن تتصدّره المصالح، الأمنية والاقتصادية.