لعل من أجمل المقولات التي وصفت هيمنة الشعر على كل الأنماط الأدبية الأخرى، تلك التي جاءت على لسان الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو الذي قال «إن الشعر هو الليل، طعامه الوحوش والرموز، وهو كلام الظلمات والمهاوي»، ولعل ذلك الحديث يؤكد المكانة المركزية للشعر بين الضروب الإبداعية، وعلى رأسها الرواية، التي تهيمن على المشهد الثقافي الراهن، حيث إن القصيدة هي حصيلة التجارب الإنسانية منذ القدم، وهي ليست كذلك فقط بل تمتلك ذات الأدوات والوسائل والأساليب التي تسرّبت إلى السرد، حيث كوّنت الرواية تقنياتها من خلال الاطلاع على التجربة الشعرية.
ولئن أقام الكثير من النقاد وعشاق الفنون الأدبية المختلفة حواجز بين الإبداعات والأنواع الإبداعية، فإن ذلك الأمر يبدو ضرباً من التعسف ومحاولة للانتصار لفن على حساب الآخر، فالواقع أن جميع هذه الأشكال الأدبية تستفيد من بعضها البعض، ولكل منها جمهوره وعشاقه، لكن يظل الشعر هو ذلك النهر الذي نهلت منه بقية الفنون الأدبية بل والفلسفة، لأن لحظته التاريخية كانت سابقة، ولأنه ظل شديد الارتباط بالكثير من الشعوب والمجتمعات التي عبّرت عن عاداتها وتقاليدها وقيمها وأخلاقها شعراً، بل كان الإبداع الشعري عاملاً أساسياً في بناء حضارات العديد من الأمم والشعوب.
وفي العصر الحديث باتت الرواية هي الفن الأكثر انتشاراً، فذلك الإبداع الذي تأكد وجوده وترسخ في القرنين التاسع عشر والعشرين، نجح في مهمة التعبير عن الواقع اليومي للمجتمعات المختلفة، لكن المؤكد أنه استفاد كثيراً من الشعر ليس على مستوى اللغة والتعبير والمجاز والخيال فقط، بل وكذلك في صناعة الصور والمشهديات وفلسفة الشعر نفسه، لكونه الأدب الذي يوثق ويحفظ تاريخ الشعوب وأيامها وتراثها، فالشعر كان رفيق البشرية منذ تاريخها الشفهي حتى لحظة انتقالها إلى عصور الكتابة والتدوين.
يشير الدكتور عبد العزيز المقالح، إلى أن هناك محاولة لافتعال خلاف بين الشعر والرواية وأيهما أقدر على التعبير عن الواقع، ليؤكد أن ذلك الخلاف محكوم عليه بالفشل، فالشعر فن، والرواية فن، وكلاهما قادر على التعبير ولا يمكن، تحت أي مبرر وافتعال، الاستغناءُ عن أحدهما. فالشعر تعبير عن الوجدان والرواية تعبير عن العقل، الشعر صدى الروح وترجمان القلب، والرواية صدى الواقع الاجتماعي وما يجول فيه من أحداث وتطورات، ولعل ذلك الحديث يعمل على كسر الحواجز بين هذين النوعين الإبداعيين، ويبين في ذات الوقت مكانة وأدوات كل واحد منهما، غير أن الشعر لم يكن لحظة إبداعية مفارقة للعقل وغير معبرة عنه، فهو ليس مرتبطاً بالوجدان فقط، بل بالعقل أيضاً.

[email protected]