يحيى زكي

في اللحظات التاريخية الفارقة، خاصة تلك التي تشهد احتكاكاً بين الشعوب بما تحمله من ثقافات ومنظومات قيم، يطرح السؤال نفسه: هل يكتشف هذا الشعب أو ذاك ممن يعيشون تلك اللحظات، ذاته أم يختلقها بالكامل؟ وفارق كبير بين التوجهين، فاكتشاف الذات يعني معرفة مكامن القوة وعوامل الضعف والبحث عن طرائق لتجاوز الصعاب والعوائق، وأيضاً البحث عن أنسب الوسائل التي يتمكن من خلالها الشعب من التعلم من الآخرين، أما اختراع الذات بالكامل فيعني خلق سرديات وحكايات وأساطير مؤسسة عن النفس والعمل بكل القوة أيضاً على التمايز بشدة عن الآخرين من خلال تشويههم.
شهد التاريخ كثيراً عمليات عديدة استطاعت فيها بعض الشعوب اكتشاف ذاتها، وشهد أيضاً مسألة اختراع الذات، والسؤال الذي بدأنا به كما أن له إجابات تاريخية فإنه مناسب لعصر العولمة، ففي وسط هذا الزخم السياسي والثقافي الذي فرضته آليات العولمة على العالم، لم يحدث اندماج أو انصهار أو حتى تقارب ثقافات بل لا تزال عمليتا الاكتشاف والاندماج تحدثان على قدم وساق.
في أثناء الحروب الصليبية اكتشف الغربيون ذواتهم من خلال التعرف إلى حضارة الشرق، أدركوا تخلفهم، وبدأ التفكير في طريق النهضة الطويل والمعقد، ولو اقتصرت السردية التاريخية على بحث الأوروبيين عن عوامل التقدم في الشرق لوقفت المسألة عند موضوع اكتشاف الذات، ولكن الغربي لم يلبث أن أسس عوالم متكاملة تعبّر عن ذاته وتمايزها عن الآخرين وترسم صوراً ذهنية تقلل من قيمتهم وحضارتهم ومكانتهم في التاريخ. في الشرق اخترع الأوروبي علم الاستشراق، ومع إفريقيا والعالم الجديد اخترع علم الأعراق والأنثروبولوجيا، وفي النهاية صدّر أسطورة الرجل الغربي المتحضر إلينا، وصدّر أسطورة ثانية، وهي الرجل الأبيض لأماكن أخرى، وكل ما يتناقض مع هاتين الأسطورتين ينتمي إلى فئة المتخلف أو الهمجي، أي أن الذات الغربية هنا لم تكن تكتشف ذاتها أو عالمها ولكنها كانت تصنع هذه الذات وتروج لها في العالم.
إذا نظرنا إلى تاريخنا نحن، فسنجد أن العرب خلال فترة الفتوحات الأولى، دخلوا بلداناً جديدة وحكموها ولكنهم تعلموا من الآخرين ولم ينظروا إليهم بدونية، وفي فترة النهضة الحديثة تطلعوا إلى آخذ الحضارة ودخلوا في إشكالية لم تحسم حتى اليوم: كيف نحقق قصب السبق من دون التخلي عن أصالتنا؟ وفي المرحلتين كان العالم يتسع للجميع، ومؤسس على فكرة التعايش: أنا والآخرون، وليست الفكرة الغربية: أنا أو الآخرون.
وبرغم أن العولمة بشرتنا، أو الأصح أن القائمين على صناعتها بشرونا بأنها تعني حضارة إنسانية مشتركة، لا يبقى فيها إلا كل ما يشجع على التعاون والتآزر البشري، إلا أننا شهدنا المفارقة، فالغرب صانع العولمة ومروجها يخاف على ذاته التي اخترعها عبر قرون ومن خلال عمليات حضارية وفكرية طويلة ومرهقة، فبينما تتطلع الشعوب الآن إلى معرفة مكامن قوة العولمة وتتقبل الحوار والنقاش والتعايش، فإن البلدان الغربية تعاني صعود اليمين المتطرف والأفكار القومية وكراهية الأجنبي والغريب، وكأن سحر العولمة انقلب على الساحر الغربي العظيم.