ما رأيك في أن ننعتق من دوّامة الأوضاع، التي فيها العمر ضاع، ونغنمَ من الحاضر موسيقاه، ففيها طرائف تغرقك في القهقهات قاه قاه؟ كيف لعشاق الثقافة، أن يتخيلوا كرة ثلج الانحدار، من حقبة الأساطين، بين العقدين الثاني والسادس من القرن العشرين، إلى درك الكلمة واللحن معاً، منذ السبعينيات؟ لك أن تتصور هذا الفن، كما لو كان شخصاً، يتدحرج من قمّة إيفريست إلى السفح فنازلاً.
لكي تتمتع الفنون على الدوام بالحيويّة والعطاء المتطوّر، تحتاج إلى البحث العلمي المتواصل. التحقيقات الموسيقية ضرورية منذ التأسيس في المجالات ذات العلاقة. المطربات والمطربون ذوو الكفاءة والمهارات، يُذكرون فيُشكرون، لكن من غير المعقول أن يكونوا أعمدة قمرة القيادة الموسيقية.
ليسوا خبراء بحوث ليدرسوا السقوط الحرّ الذي هوى بالموسيقى العربية. هل يتطلب المرء عقلاً جبّاراً، ليدرك الفارق النجومي بين مشهدين وعصرين، الأوّل تألقت فيه كوكبة من قمم الكلمات والألحان والحناجر، والآخر هو نتاج الهبوط الذي يجب البحث عن أسبابه وعلاجه الناجع. لا بأس بالهمس في أذن الموسيقى العربية: يوم لكِ ويوم عليكِ، أوْ: ما طار فن وارتفع، إلاّ كما طار وقع.
ما يدعو إلى الأسف هو أن الطبيعة لا تبلغ سن اليأس في الجود بالأصوات الجيدة. وهذا الواقع يستدعي لحناً في مقام صبا، فالحناجر الغنائية الجيدة تصحّرت أمامها جِنان اللحون، فلم يعد في وسعها غير ترديد روائع الأعمال الماضية. الأوساط الفنية الثقافية العربية تهدر طاقات قد لا يجود بمثلها الدهر. مأساة أن تسخوَ الديار بمساحات صوتية نادرة، وخامات غير عادية، لا تجد كلمات بديعةً، ولا ألحاناً تضيء بين الجوانح.
من الضروري تذكير الأوساط الثقافية والموسيقية، أن هذا الميدان ليس شيئاً هامشيّاً غير ذي بال، حتى يُترك سدىً لشأنه، إنْ تطوّر وأبدع، فلنفسه، وإن تردّى فلا سؤال ولا حساب. أيها الأعزاء، هل تساءلتم لماذا في كل المؤسسات العسكرية، دوائر خاصة بالشؤون المعنوية؟ أليس هذا برهاناً على أن المعنويات هي في صميم الأمن القومي، إذا ضُربت أصيبت الأوطان برمتها؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الانكفائية: عندما ينعدم في أمّة العمل المشترك، ويبلع الشعراء ألسنتهم، وتُقطع أوتار الوتريات، وتبحّ النحاسيات، فمن يستنهض الجفون الناعسة؟

[email protected]