الغضب والانفعال غير المنضبطين لا يغيران لحظة عابرة فقط، بل يعيدان تشكيل الشخصيات بالكامل، ويقودان الحياة نحو التوتر الدائم، ويقيّدان القدرة على الاتزان والحكمة في اتخاذ القرار. فالإنسان الذي يعتاد العصبية يصبح أسيراً لردود أفعال متسرعة وغير محسوبة، يفقد معها نعمة التأني، والعصبية لا تبني حضوراً، بل تهدم الثقة، وتفقد الإنسان تأثيره في محيطه.
والوعي بلحظة الغضب هو أول خطوة في طريق العلاج، فكل إنسان يمر بحالات انفعال، لكنه يختلف في درجته وحدّته من شخص لآخر. غير أن الخطورة تبدأ حين يتحول الغضب إلى سلوك دائم، وطريقة تعامل ثابتة، تُترك للزمن بدل أن تُواجَه بالوعي والمسؤولية.
فقد تُوصم شخصية الإنسان، نتيجة تراكم مواقف وتجارب غير مُعالَجة نفسياً، بسرعة الانفعال وحدّة الغضب، وقد تصل هذه الحالة لدى البعض إلى مستويات لا يمكن تجاهلها أو التعايش معها. والحل لا يكمن في الإنكار أو التبرير، بل في المواجهة الصادقة مع النفس، والسعي الجاد لضبط الانفعال، وتدريب الذات على التروّي والهدوء عند اشتداد المواقف.
ولو أدرك الإنسان حجم الآثار التي يتركها الغضب على صحته النفسية والجسدية، لتعامل معه بجديّة أكبر. فالعصبية المستمرة ذات عواقب صحية وخيمة، تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض خطرة، كالجلطات القلبية والدماغية. وكل ذلك قد يكون نتيجة مواقف بسيطة كان يمكن احتواؤها بهدوء وحكمة.
من هنا، تصبح معالجة الشخصية الغاضبة مسؤولية فردية ومجتمعية في آنٍ واحد. مسؤولية الفرد في تهذيب ذاته، ومراقبة انفعالاته، وتدريب نفسه على الرد الهادئ. ومسؤولية المجتمع في ترسيخ ثقافة الاتزان، وعدم تمجيد العصبية أو تبريرها أو تسويقها على أنها قوة شخصية أو حزماً.
ومن هنا تتجلى أهمية دور صناع المحتوى والإعلاميين وأصحاب الكلمة المؤثرة. فقد أشار محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، في قمة المليار متابع، إلى أن تأثير صناع المحتوى بات يتجاوز في بعض الأحيان تأثير الحكومات. وهذا يمنحهم مسؤولية أخلاقية كبيرة في توجيه الرأي العام نحو سلوكيات أكثر وعياً واتزانًا.
فالطرح الهادف للمواضيع النفسية والسلوكية يحوّل صناعة المحتوى من ترف رقمي إلى أداة إصلاح حقيقية، تؤثر في سلوك الأفراد، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي نحو قيم أكثر نضجاً واستقراراً.
وكل من يملك صوتًا، يملك قدرة على إحداث تغيير. فالكلمة الواعية تستطيع أن تفتح باب فهم، وتطفئ شرارة غضب، وتحول الأزمات إلى فرص للنضج، والمشكلات إلى دروس في الحكمة. وهذا هو جوهر المسؤولية التي يحملها كل من يملك كلمة أو تأثيراً.

[email protected]