د. باسمة يونس
إن المقاييس الأكثر تداولاً لنجاح المبادرات الأدبية غالباً ما تكون كمّية وتتعلق بعدد المشاركات وحجم التغطية الإعلامية، أو حتى قيمة الجوائز الممنوحة وهذه المؤشرات قد تعطي انطباعاً أوّلياً عن حضور المبادرة، لكنها لا تعكس بالضرورة أثرها العميق في المشهد الثقافي.
ولأن الأدب بطبيعته فعل تراكم واستمرارية، يصبح مؤشر الاستدامة أهم بكثير من مؤشر الحضور اللحظي، فالنجاح الحقيقي في المبادرات الأدبية لا يُقاس بعدد المشاركات أو ضخامة الحضور، بل بقدرة المبادرة على اكتشاف موهبة أدبية استثنائية ورعايتها حتى تصبح رمزاً أدبياً مؤثراً في المستقبل.
هذا المؤشر هو الأكثر دقة والأطول أثراً لأن قدرة المبادرة على اكتشاف موهبة أدبية حقيقية واحدة على الأقل، ورعايتها حتى تصبح من الأسماء البارزة في المستقبل هو ما يحقق للمبادرة مجداً أدبياً وسمعة مستمرة لعقود، وهو ما يتجاوز بكثير ضوضاء الأرقام اللحظية التي قد تحدث ضجة إعلامية في عام معين، ثم تخبو أهميتها سريعاً إذا لم تُنتج أسماءً أو أعمالاً قادرة على الاستمرار في التأثير.
ولو نظرنا إلى تاريخ الجوائز والمبادرات العالمية، سنجد أن بعض الجوائز ارتبط اسمها لاحقاً بأسماء كتّاب بدأوا مسيرتهم منها، فصار هذا الكاتب هو الدليل الحي على قيمة الجائزة لأن الموهبة المكتشفة ليست مجرد فوز فردي، بل هي استثمار ثقافي طويل الأمد.
وعندما يتحول أحد الفائزين إلى صوت أدبي كبير، ترتبط المبادرة في الذاكرة الثقافية بهذا الاكتشاف، ويعزز ذلك مصداقيتها ويصبح الكاتب أو الشاعر المكتشف مصدر إلهام لأجيال لاحقة، مما يخلق دائرة متصلة من الحراك الأدبي ويذكر كل عمل جديد ينتجه هذا المبدع في المستقبل القراء والنقاد بالمبادرة التي احتضنته أول مرة.
ويتطلب تطبيق هذا المؤشر إعادة هيكلة طريقة عمل المبادرات بدءاً من وضع آليات تحكيم دقيقة لضمان عدم إغفال المواهب الحقيقية وسط الكم الكبير من المشاركات وضمان متابعة ما بعد الجائزة، ووضع خطة لدعمهم لاحقاً وتحييد المجاملات والاعتبارات غير الإبداعية، وهو تحدٍّ شائع في بعض السياقات الثقافية، حيث تتدخل العلاقات أو السمعة في اختيارات الفائزين أحياناً.
إن التحول من نموذج القياس الكمي إلى نموذج مركب يجمع بين الكمّ والكيف يتطلب ثلاث مؤشرات وهي: مؤشر اكتشاف الموهبة، ومؤشر الاستدامة الخاص بمتابعة إنتاجها وتقييم استمراريتها، ومؤشر التحول الذي يوضح مدى قدرة المبادرة على نقل المبدع من دائرة المحلية إلى فضاء أوسع. ويتطلب ذلك إنشاء برنامج متابعة ما بعد الفوز، يشمل اتفاقيات نشر مع دور معروفة وورش تطوير المهارات الأدبية وفرص ترجمة وتقديم في الملتقيات الدولية وغير ذلك.
إن أي مبادرة أدبية لا تُثمر عن أديب مستمر لا تبقى في ذاكرة الثقافة، مهما كانت أرقامها لامعة، فهي أقرب إلى حدث احتفالي عابر، أما المبادرة التي تكتشف صوتًا حقيقيًا، وتدفعه للاستمرار، فهي تصنع تاريخاً أدبياً وتترك أثراً لا يزول.