هل يُعقل أن يكون قيس بن الملوّح، مجنون ليلى، مجنوناً؟ هل كان الأدباء مؤدَّبين حين وسموا سحر بيانه ووصموه بأن به جِنّة؟ يقيناً، أولئك خانهم التعبير والتقدير. الحيطة واجبة، فما كل جنون عبقرية بالضرورة.
الأمر بيّن هيّن، حين يقتصر على اللطائف والأدب. لا شيء يستدعي العجب. الشأن مختلف حين يصير كما قال حافظ الشيرازي عن الحب: «إن العشق بدا سهلاً في البداية، لكن المشكلات هطلت». التروّي مطلوب قبل الحكم أعقلٌ أم جنون؟ قبل قرون أوصى نيكولاس مكيافيللي في كتابه «الأمير»، بشيء عجيب: «أحياناً يكون من منتهى الحكمة تقمّص الجنون». كأنما الدبلوماسي الإيطالي قرأ كتاب أبي القاسم الحسن بن محمد «عقلاء المجانين»، فاستمدّ منه الفكرة.
«شيء يجنّن»، لأن البتّ في الفرق بين العقل والجنون ليس يسيراً، مثلاً: كيف تحكم على الإمبراطور الروماني كاليغولا؟ مسرحية الأديب الفرنسي ألبير كامو، التي تحمل اسم هذا الطاغية، يحار الفهم فيها، فالرجل لا يمكن توقع ردود فعله، لكنه ليس الشخص الذي يهذي بما لا يعني، إذ تجري على لسانه أقوال تزري بالحكماء والفلاسفة. قد يلوح لك جنوناً أن يعيّن حصانه وزيراً.
لكن، ما رأيك في أنه عندما يسيء معاملة وزرائه، بإكراههم على إعداد المائدة له، ويرميهم بنوى الزيتون، فيعاتبه مستشاره الحكيم «شيريا»، فيرد عليه: «أريد أن أريهم أن نزول السلّم أصعب من صعوده»؟ قد ينصرف ذهنك إلى مشهد الزعماء الأوروبيين، قبل بضعة أشهر، حين جعلهم بروتوكول الإمبراطور يتحلّقون حوله، مثل التلاميذ أمام المعلم. ولعله صاح بهم في النهاية على نحو الطرفة التراثية: «ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكُئكم على ذي جِنّة، افرنقعوا».
«نظرية الجنون» عبارة ابتكرها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، عندما أراد إنهاء حرب فيتنام لمصلحة واشنطن. أوعز إلى المفاوض كيسنجر بالقول للفيتناميين: «إن نيكسون عقدته الوحيدة هي الشيوعية، لهذا فيده لا تفارق الزر النووي، مجنون مستعد لأن يفعل أيّ شيء لتحقيق هدفه». السوفييت والفيتناميون لم يقتنعوا، لأنهم رأوا أنه تصرّف بغاية العقل والتدبير في مواقف أخرى، فلم تنطلِ الحيلة، وكانت النهاية خيبة آمال وضياع أحلام. لقد تعلّم التاريخ من «هوليوود» فنّ «ريميك» الأفلام، فمروحيّة سايغون صارت طائرة في أفغانستان.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاحتياطيّة: المذكور آنفاً هو نيكولاس مكيافيللي، لا نيكولاس مادورو.
[email protected]
خواطر في نظرية الجنون
12 يناير 2026 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 يناير 00:10 2026
شارك