في أزمنة الإنترنت والثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، تكاد تنمحي الحياة الطبيعية للبشر في أشكالها الاجتماعية والنفسية من علاقات وتعارف وحميمية، خاصة في ما يتعلق بالذاكرة والمخزون الثقافي الفردي والجماعي، حيث أصبحت هناك مفاهيم وقيم جديدة ترتبط بفعل الذاكرة والتذكر أحدثت متغيرات هائلة وتحولات عميقة وفرضت واقعاً جديداً على المستويين الجماعي والفردي، فالأخير هو المختص بالذاكرة الفردية من حيث التجارب الشخصية، التي باتت أكثر تهديداً في عالم اليوم.
فلئن كان المعني بالذاكرة هو استرجاع المعلومات والذكريات والمشاهد القديمة منذ النشأة الأولى للمرء بصورة تلقائية أو ما يعرف بالتداعي، فإن جديداً قد حل، حيث أصبحت هناك «ذاكرة التعرف»، «فلاش»، بمعنى أن هناك آلة صغيرة أو قرصاً يسمى بالذاكرة الخارجية، بات هو المسؤول عن فعل التذكر، إذ أصبحنا نعتمد على محركات البحث والأجهزة لتخزين واسترجاع التفاصيل، ما يقلل من الحاجة لحفظها ويؤثر في عمق الفهم، ويحول الإنترنت إلى قرص صلب خارجي يهدد الذاكرة الشخصية على الرغم من كون يوفر وصولًا فوريًا للمعلومات، مع ظهور مفاهيم جديدة مثل «فقدان الذاكرة الرقمي»، وهو يشير إلى نسيان الأفراد المعلومات المخزنة على الأدوات الرقمية من هاتف محمول أو كمبيوتر وغيرها، ولذلك الأمر تأثيره الكبير في الأفراد خاصة في المجال الإبداعي والفكري.
يواجه منتج الأفكار والإبداع الأدبي والفني خطر فقدان التواصل الطبيعي مع الماضي الذي يمثل مركزاً مهماً في عملية الإنتاج الفكري والإبداعي، بعد أن أصبح الاعتماد الأساسي على الآلة في عملية استرجاع المواقف والذكريات بدلاً من التداعي الحر والتدفق المنساب والاسترجاع الطبيعي للمواقف واللحظات والتفاصيل الكبيرة والصغيرة، فالخطورة الحقيقية تكمن في أن التطور الكبير في الذكاء الاصطناعي والخوارزميات يراد منه أن تحل الآلة مكان الدماغ البشري بحيث لا يتم أي شيء متعلق بالتفكير والإبداع إلا بواسطة هذه الآلة التي تفرض هيمنتها على العصر، وذلك يؤدي إلى سقوط الكثير من التفاصيل التي لا تستطيع الآلة حفظها مثل المشاعر والعلاقات وغير ذلك من تفاصيل روحية، الأمر الذي يجعل النسيات يتسرب على أفراد هذا العصر، وذلك له تأثيره على الإبداع والفكر والهوية.
تشير بعض الدراسات إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تُهدد الذاكرة الثقافية والفردية عبر تشتيت الانتباه عن الجذور، تغذية المعلومات المنحازة والمزيفة وطمس التفاصيل التاريخية بسبب طبيعتها السريعة والمؤقتة، وكذلك بما تفعل من إضعاف للروابط الأسرية، وتكوين هوية افتراضية غير واقعية، ما يؤدي إلى تآكل الأصالة وفقدان القدرة على التذكر العميق وتشكيل وعي جمعي سليم.
باتت الخوارزميات ذات تأثير هائل في بناء ذاكرتنا الجماعية والتاريخية، فلئن كانت الأرشفة والتخزين هي أدوات ووسائل الآلة ووسائطها المختلفة في حفظ التاريخ والتراث، فإن ذلك يمحو وسائل العقل البشري الطبيعي الذي لا يقوم بتلك العمليات، بل للعقل أدواته الطبيعية على مستوى طرق الدراسات والبحوث والتنقيب والتفكير والتفسير والتأويل وهي عمليات عقلية بحتة، وهي كذلك شديدة الارتباط بالجانب الروحي والوجداني، وتلك الأدوات والطرائق العقلية البشرية الطبيعية هي التي أنتجت الحضارة والتاريخ والوعي الجمعي منذ عصور سحيقة بمنعطفات مختلفة مثل الانتقال من المشافهة إلى التدوين.
وكما يرى بعض المختصين فإن الذاكرة الجماعية هي الذكريات المشتركة بين مجموعة كالعائلة والأمة، وهي تتشكل من رموز وسرديات وقصص تنتقل عبر الأجيال لتكوين هوية مشتركة، وتؤثر بشكل كبير على الذاكرة الفردية وتصقلها، وستتحول تلك المرويات والسرديات الجمعية الطبيعية في أزمنة الحاسوب والذكاء الاصطناعي وغرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي إلى بنية رقمية ديناميكية، وذلك لأن الأفراد والجماعات سيلجؤون بشكل مستمر إلى بناء الماضي باستمرار عبر المنصات الرقمية.
لم يعد في مقدور الإنسان أن يفكر أو يتذكر إلا بمساعدة الآلة، كما أن الذاكرة المصنوعة تلك تطرح بصورة كبيرة ومؤثرة تحديات مثل تفكك المعنى، بحيث يصبح متغيراً في كل وقت وسياق، ما يعني أن يكون هناك انقلاب كبير في عمل الذاكرة، تعيد ترتيب السرديات التاريخية.
عصور النسيان
13 يناير 2026 00:00 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 يناير 00:00 2026
شارك