يذكر الكاتب الصحفي أحمد سعيد في مجلة «الكواكب»، عدد 28 مارس 2017، أن عبد الحليم حافظ كان يغيّر بعض كلمات أغانيه، ويبدّل المفردات «وفقاً لإحساسه الطاغي ورؤيته الخاصة» على حدّ تعبير الكاتب الذي يقول إن الكثيرين قد لا يعرفون أن العندليب الأسمر كان يتدخل إلى حد كبير في نصّ الأغنية، ولم يُستثن من سلطة صاحب «قارئة الفنجان» حتى شاعر كبير في حجم نزار قباني.
نعم، خضع نزار قباني لإرادة عبد الحليم حين غيّر أكثر من مقطع في قصيدة «قارئة الفنجان»، وبحسب أحمد سعيد، قام عبد الحليم بتغيير المقطع الذي يقول «يا ولدي قد مات شهيداً من مات على دين المحبوب» إلى «يا ولدي قد مات شهيداً من مات فداءً للمحبوب» وقام عبد الحليم أيضاً، وفي القصيدة نفسها، بتغيير المقطع الذي يقول فيه نزار: «والشعر الغجريّ المجنون يعربدُ من فوق الكتفين» إلى «والشعر الغجريّ المجنون يسافرُ في كل الدنيا».
توقفت عند أمرين حين قرأت هذه المادة للمرة الأولى بهذا التفصيل الذي أورده الكاتب أحمد سعيد، فمن المعروف أن عبد الحليم تدخل في قصيدة «قارئة الفنجان»، وتناولت الصحافة هذا الأمر آنذاك، لكن إذعان قباني الكامل للعندليب، وقبوله بالتغيير في قصيدته يحيّران المرء فعلاً، وذلك حين نعرف كبرياء بل غرور قباني ونظرته لشعره وأن التدخل فيه بمثابة خط أحمر عنده، كما لو أن للقصيدة هيبتها وشخصيتها حين تولد منذ الكلمات الأولى، والتغيير في هذه الكلمات هو اعتداء أو تطاول على كرامة القصيدة، وحتى كرامة الشاعر.
تلك هي النقطة الأولى الجديرة بالتوقف عندها، فعلى الرغم من الهالة الثقافية والإعلامية لنزار قباني في السبعينات والثمانينات، فإنه انصاع لتدخل عبد الحليم في شعره بما يلائم مزاجه هو لا مزاج قباني.
أما النقطة الثانية، فهي حساسية عبد الحليم تجاه الشعر، وامتلاكه ذائقة أدبية رفيعة تبرّر له تغييره لكلمات النصوص الأصلية التي يكتبها الشعراء.
في رأيي أن التعديل الذي قام به عبد الحليم في قصيدة «قارئة الفنجان» جاء أجمل من النص الأصلي لقباني، فضلاً عن أن التغيير الذي أجراه عبد الحليم على بعض كلمات القصيدة لم يكسر الوزن، ولم يخلّ بالمعنى العاطفي والجمالي الذي يقوم عليه النصّ، الأمر الذي يؤشر على ثقافة أدبية نخبوية عند عبد الحليم، بل ربما كان يكتب الشعر، لكنه لم يفصح عن ذلك قطُّ.
ما أكتبه الآن قد يدعو بعض الناس إلى الضحك. تعليق متأخر جداً، بل هي استعادة متأخرة جداً أيضاً لقضية مرّ عليها عشرات السنوات، ومع ذلك، لننتبه دائماً إلى أن بعض الطواويس قد تتحوّل إلى صيصان أو دجاجات حين يتعلّق الأمر بالثقة والشخصية والكاريزما والقرار.
عبد الحليم حافظ عندليب أسمر طار مرّة واحدة، وما زال يرفرف حتى اليوم.
[email protected]