أحمد مصطفى
ذكر أكثر من مسؤول، من خارج دائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقربة، ممن عملوا معه في فترة رئاسته الأولى السابقة، أن الرئيس «لا يعترف بشيء اسمه استراتيجية»، وأنه يتصرف بوحي اللحظة، ما يجعله أحياناً، يتخذ مواقف ويتراجع عنها مئة وثمانين درجة، فيما بعد.
قد يكون ترامب يتصرف هكذا فعلاً، ففي حواره الأخير مع«نيويورك تايمز»، قال إنه لا يلتزم بشيء سوى ضميره، ولا يعنيه أيّ قانون دولي، أو قواعد. أي ببساطة هو «يتصرف من دماغه» من دون خطط، ولا استراتيجيات، ولا مراعاة لأيّ أصول مسبقة.
ولعل أكثر القلقين من سياسات ترامب والاستراتيجية الأمريكية عموماً، هم حلفاء أمريكا في الغرب، ربما أكثر من أعداء أمريكا منافسيها في العالم. في مقدمة هؤلاء الاتحاد الأوروبي الذي بدأ يفيق على أن «المظلة الأمريكية» ليست كما يتصورون، وأنها غير صامدة في وجه أيّ رياح.
بدا واضحاً أن التدخل الأمريكي في فنزويلا استُقبل أوروبياً على انه «تغيير لنظام» في كاراكاس، بما يخدم المصالح الأميركية. وعندما تحول اهتمام الرئيس ترامب إلى جزيرة غرينلاند بدأ موقف أوروبا يتغير – على الأقل نظرياً، حتى الآن. لكن أغلب التصريحات الرسمية وتحليلات مراكز الأبحاث الأوروبية تركّز على مخاطر تلك الخطوة على مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
فالجزيرة التي تتمتع بنوع من الحكم الذاتي تحت سيادة الدنمارك، فمن شأن استيلاء أمريكا عليها يُعد عدواناً على سيادة الدنمارك، وستكون دول الاتحاد الأوروبي مطالبة بالوقوف إلى جانب الدنمارك. لكن هناك دول في الاتحاد، بخاصة من أوروبا الشرقية، مثل بولندا، لن تعارض الولايات المتحدة، وسيؤدي ذلك، في الأغلب، إلى تفكك الاتحاد، أو انقسامه وضعفه.
هذا «الإضعاف» هو الاستراتيجية الأمريكية الحالية، وهي تستهدف إضعاف الدول، إما لمصالح نفطية، وإما عسكرية، وإما غيرها. يشبه ذلك إلى حد كبير ما نظّر له المفكر الاستراتيجي الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي، الذي كان مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، نهاية السبعينيات.
إنها نظرية «الصراع الممتد منخفض الحدة» الذي يترك الدول والكيانات في حالة ضعف ووهن، ما بين الانهيار التام، واحتمالات النهوض. ذلك أيضاً ما يريده الأمريكيون في إيران، الآن، أن تستمر الاحتجاجات حتى يسقط النظام، وليس مهمّاً ما يحل محله. فلا رغبة هناك في التورط في عملية إعادة بناء البلد، أو تنصيب قيادة، ولو حتى موالية لأمريكا وإسرائيل. إنما ترك البلد في وضع اقرب لما عليه أفغانستان.
المثير أن بريجنسكي كان معارضاً للحرب على العراق في 2003، واتهم إدارات جورج بوش (الأب والابن)، وكلينتون، بأنها ضيّعت على الولايات المتحدة فرصة قيادة العالم ما بعد الحرب الباردة، لأنه توقع قبل الحرب أن تتحمل أمريكا تبعة الغزو والفشل في التدخل، وما سيجلبه من تدهور ،ووضعها في العالم – وهو ما حدث فعلاً.
لا يمكن استبعاد أن تستهدف استراتيجية الإضعاف تلك الاتحاد الأوروبي ككيان، أو دول أوروبية لا تخضع تماماً لرغبات الإدارة الأمريكية الحالية. ولدى واشنطن من أدوات القوة والنفوذ ما يمكنها من ذلك.
ربما لا يكون «إضعاف» أوروبا مثل إضعاف دول كفنزويلا، أو إيران التي تتعرض لعقوبات أمريكية منذ عقود، أدت، بالفعل، إلى تدهور أوضاعها الداخلية بشدة. إنما في الوقت ذاته فإن إضعاف أمريكا للدول الأوروبية سعياً وراء إخضاعها، اقتصادياً ومالياً وتجارياً، ما يجعل أوروبا، كتكتل في الاتحاد الأوروبي وكدول فرادى، في وضع هش أمام منافسي أمريكا، مثل الصين وروسيا.
إن سعي إدارة بايدن لقيــادة «تحـــالف غربي واسع» يعيد لأمريكا ريادتها العالمية كشف أوروبا أمام من حاولت إدارة بايدن التصدي لهم: روسيا والصين.
إن استراتيجية الإضعاف المعتمدة على القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والضغط السياسي الأقصى هي أداة إدارة ترامب لإخضاع الحلفاء والأعداء، معاً. ومع أن ذلك يعني تأثيراً سلبياً في بقية العالم، إلا أن الولايات المتحدة ذاتها لن تكون في مأمن من تلك الأضرار على المدى البعيد.