د. صلاح الغول

توجهتُ في الأسبوع المنصرم إلى المملكة العربية السعودية، لتقديم واجب العزاء في وفاة والدة أحد الأصدقاء القحطانيين، غفر الله لها، ورحمها رحمةً فضاء لا أفق لها، وأسكنها فسيح جناته.
فمن العاصمة أبوظبي وعلى متن الناقل الوطني لدولة الإمارات طيران الاتحاد، وصلت إلى الرياض الساعة العاشرة صباحاً وغادرتها العاشرة صباح اليوم التالي. وتوجهت من مطار الملك خالد الدولي إلى مدينة الجَلْهْ، التي تبعد عن الرياض ساعة ونصف الساعة، وبعدها عدت للتجول في مولات الرياض، ومقابلة بعض الأصدقاء السعوديين. ومنذ وصولي إلى العاصمة السعودية، وخلال الأربع وعشرين ساعة التي أنفقتها فيها، وجدتُ كل الترحاب والاحترام والتقدير من الأصدقاء والأخوة في المملكة.
وليس الغرض من هذا المقال هو أن أقص على القارئ الكريم حكاية ذهابي إلى الرياض وقفولي منها، أو أُترفه بأحاديث شيقة انخرطتُ فيها أثناء زيارتي، أو أرسم له صورة عن روعة الأماكن والمعالم في الرياض والجَلْهْ، وإنما أسعى إلى أن أكشف له عن روح العلاقات الإماراتية-السعودية، برغم الظروف المضطربة والصعبة التي تمر بها المنطقة.
تتلخص روح العلاقات الإماراتية-السعودية في علاقاتنا نحن الإماراتيين بإخواننا السعوديين، فهذه العلاقات متينة لا يستطيع أحدٌ مهما كان أو أي حدث مهما جلل أنْ يؤثر فيها، فضلاً على أنْ يفصم عراها. فنحن وأهلنا في السعودية في رباط مشترك إلى يوم القيامة، يقوم على وشائج دم من قديم الأزل، وعلاقات نسبٍ ومصاهرة عبر القبائل والمناطق في ساحل الخليج ونجد والحجاز، وتاريخ مشترك منذ ما قبل الإسلام مروراً بفجر الدعوة الإسلامية وإلى اليوم، وثقافة جمعية تغطي كافة تفاصيل الحياة اليومية، وتفاعلات اجتماعية مكثفة تغلفها الأخوة والصداقة من أقطارها. ولا غرو أنّ المواطن الإماراتي حين تحط قدماه بأرض المملكة لا يشعر بالغربة، بل يحس أنه في وطنه.
والأمر نفسه عبّر عنه الأخوة السعوديون خلال لقاءاتي وأحاديثي العديدة معهم، وآخرها في الرياض والجَلْهْ الأسبوع المنصرم. ويزيد على ذلك أنّ قلوبنا، نحن الإماراتيين، وقلوب سائر العرب والمسلمين، تهفو إلى أرض الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم، ووطن صحابته الكرام.
والحق أنّ هذه الروح التي تسم علاقات الإماراتيين بإخوانهم السعوديين تنسحب أيضاً على علاقات شعوب وأبناء دول مجلس التعاون جميعاً. وكانت أزمة قطر 2017 استثناءً لا يقاس عليه المسار الطويل والمتين للعلاقات الخليجية البينية. وقد تجلت الحكمة الخليجية والسعودية في أرفع صورها في مدينة العُلا التاريخية، في يناير/كانون الثاني 2021، حيث تم إنهاء الخلاف العابر، وعاد الأشقاء إلى بعضهم البعض. والجميل أن ما لاحظته في زيارتي السريعة القصيرة للرياض أنّ معظم السعوديين يتفقون معي على أن «أزمة قطر تعلمنا منها الكثير، ولا يمكن تكرارها بين الشعوب الخليجية مرةً أخرى».
وتتعزز روح العلاقات الإماراتية-السعودية بتحالفٍ سياسي يجمع البلدين في إطار مجلس التعاون الخليجي، وعلاقات وثيقة بين قيادات الدولتين منذ عهد القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. كما تتعزز هذه الروح باعتمادٍ اقتصادي متبادل مكثف يتمثل في تجارة بينية بلغت نحو 40 مليار دولار في العام المنصرم، ما يجعل دولة الإمارات والسعودية من أهم الشركاء التجاريين لبعضهما. وتشمل العلاقات التجارية كل شيء بدءاً من النفط المكرر والذهب إلى المجوهرات والسلع الاستهلاكية المعاد تصديرها مثل الإلكترونيات.
وتظهر كثافة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الإمارات والسعودية في حجم الاستثمارات المباشرة البينية التي تتجاوز 13.5 مليار دولار. وفي صالة المغادرة بمطار الملك خالد، قابلت مواطناً إماراتياً، عرّف نفسه بأنه رجل أعمال وشبه مقيم في السعودية، ولديه العديد من الاستثمارات الناجحة هناك.
ومع ذلك، ثمة حملة إعلامية ممنهجة تقودها خلايا إخوانية ونفوس مغرضة تريد أن تنال من هذه العلاقة المتينة بين دولة الإمارات والسعودية. وهذه الحملة امتداد لسلسلة من الحملات التي تعرضت لها الدولتان بهدف النيل من وحدة الصف الخليجي واللحظة الخليجية في العالم العربي. وأعتقد أن الرد على هذه الحملة هو شأن سيادي ودبلوماسي تُديره المؤسسات الإماراتية بمهنية عالية، وتتعامل معها بحنكة بالغة. فدولة الإمارات لا تنخرط في سجالات الشوارع الافتراضية، بل تركن إلى قيادتها الرشيدة وأدواتها الدبلوماسية والإعلامية الرصينة لتوضيح موقفها.
وهذا النهج يؤكد أن المطلوب ليس المواجهة المباشرة من قبل الأفراد، بل ترك المجال لقيادة تملك الحنكة الدبلوماسية والقدرة على بناء التحالفات الدولية لمواجهتها على أعلى المستويات. ولطالما دعت القيادة الإماراتية مواطنيها إلى عدم الانجرار إلى الجدل السياسي العقيم على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانغماس في التناحر الذي يستهلك طاقة الفرد ويشوه رسالة الدولة السامية. وهذه الدعوة جزء أصيل من مبادئ المواطنة الإيجابية، والتي تجسدت في المبادئ التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ عام 2017 حول ما يجب أن تتحلى به الشخصية الإماراتية في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها الإيجابية والاحترام والاحترافية، والعمل على دعم منجزات الوطن.

[email protected]