يحيى زكي

لم يكن غريباً أن يكتب المفكر الإنجليزي برتراند راسل في «مدح الكسل»، ولا أن يؤلف الروائي الألماني الحاصل على نوبل هيرمان هسه «فن الكسل»، كان ذلك في حدود منتصف القرن العشرين، حيث كانت البشرية على موعد مع تحوّل جديد يتمثل في الانتقال إلى أزمنة مغايرة وجديدة، ونعني أزمنة السرعة.
ومع بدايات القرن الحادي والعشرين عاود البعض الكتابة عن البطء، بل وهناك من تحدث عن فلسفة البطء، وتأسست جمعيات تشجع على البطء في مختلف مفاصل الحياة، إذ اكتشف الجميع أننا بتنا نلهث، ومع ذلك اللهاث ينسرب الوقت من بين أصابعنا، ولم يعد لدينا ذلك الفراغ الذي خصصناه في السابق لأنشطة كانت تمس صميم إنسانيتنا.
في الماضي كان الكسل والبطء وما يرادفهما من قيم وينتج عنهما من سلوكيات من الأشياء المذمومة، ليس على المستوى الفردي وحسب، ولكن كانت هناك أبنية معرفية مثل الاستشراق وصفت شعوباً بأكملها بالكسل، وقيل إن كافة شعوب الأرض، باستثناء الغرب، لا تحترم الوقت ولا تقدر قيمته، ولا تعرف فوائد السرعة التي وصل بها بعضهم إلى مصاف العقيدة، ولكن الوضع انقلب الآن، وأصبح هناك نزوع حنيني رومانسي إلى أزمنة مختلفة، حيث كان لكل شيء نفعله وقت مخصص.
عندما نعود إلى نظريات التطور، سنجد أن بعضها أشار إلى دور الحكايات في تطور الإنسان، وفي التفاف الجماعة حول الحكّاء وتعرّف أفرادها بعضهم إلى بعض، ومن خلال ذلك الاحتكاك نشأت السرديات الكبرى والأساطير، والتأمل والتفكير، بل وصيغت النظم والقوانين، كل هذا كان يحتاج إلى وقت، إلى تأمل وهدوء وتدبر، ولا يمكن دراسة الأبنية المعرفية الكبرى من دون فهم هذا التمهل.
لم تبتكر السرعة شيئاً، لم تنجز أو تبدع فكرة أو فلسفة أو فناً أو أدباً، لم تتوقف حتى متأملة في المشاعر وبواطن البشر، السرعة لم تصنع أي شيء إنساني.
كان الغربي الرأسمالي وهو يحتل البلدان الأخرى يرى الشرقي يجلس متأملاً في حالة سلام مع نفسه ومع العالم، ويشاهد الفلاح وبأقل مجهود يرمي البذرة وينتظر الثمرة، انخدع الغربي ساعتها وظن أنه متميز، واعتقد أن هذا التميز يعود في جزء كبير منه إلى عقيدة السرعة.
في عصر ما بعد الحداثة أصبح كل شيء فائق السرعة، بداية من الحرب الخاطفة حتى الممارسات اليومية مروراً بالمشاعر والأحاسيس، بتنا نقرأ بسرعة، نمرّ على الكلمات من دون استيعاب وأحياناً من دون فهم، أضر ذلك بالإبداع نفسه، وبالذاكرة في مرحلة لاحقة، لم نعد نحتفظ في أدمغتنا بأي من أشيائنا الشخصية، كله مدون في الهاتف، وبتنا نؤسس علاقاتنا على السرعة، وتراجع الحب الذي طالما تغنينا به إلى مراتب متأخرة في سلم أولوياتنا، وتدهورت العلاقات الاجتماعية، وباتت المجتمعات التقليدية أثراً تاريخياً والمجتمعات الحديثة على وشك التفكك.
أضرت بنا السرعة كما لم تفعل قيمة سلبية أخرى، ونسينا أنه عندما تمهّل الإنسان بنى تلك الحضارة التي أكسبته أهمية وقيمة.