في دردشةٍ مع مستعرب وأديب روسي على هامش فعالية ثقافية جمعتنا مؤخراً، ونحن نعلّق على صورة مشتركة لنا، قلتُ له مازحاً: تبدو في الصورة شاباً يا دكتور. لم يخف الرجل غبطته بما سمعه مني، وإن قال: أتمني لو كنت أكثر شباباً، قبل أن يضيف أنه يوزع عيشه مع عائلته، بين شقته في موسكو وبيت ريفي خارج العاصمة، كونه متقاعداً من العمل، وفي المكانين، الشقة والبيت الريفي، مجموعة من المرايا لكنه يتحاشى، ما أمكنه، النظر إلى وجهه فيها جميعاً، باستثناء واحدة، لأنّها تُظهره أكثر شباباً مما تظهر بقية المرايا.
ربما كان موقع هذه المرآة وكمية الضوء الذي يصل إليها هما سبب أن صاحبنا يظهر فيها أصغر من عمره، أو أكثر شباباً، وفق تعبيره، لكن ملاحظته تظهر كم هي المرايا خادعة.
الروائي الفرنسي جان ماري لوكليزيو المولود عام 1940، مثل المستعرب الروسي، يقول إنه يتجنب المرايا بشكل عام: «لا أحبّ كثيراً هذا الشيء. إنه يحزنني»، مشبهاً تأثير المرآة بتأثير نافذة يستطيع أحد ما أن يراه من خلالها، فكأنه هنا يخشى رؤية ذاته، أو مراقبتها.
بتنا جميعاً محاصرين في الحياة بمجموعة من المرايا ننظر فيها بحثاً عن الطمأنينة، عن صورة ثابتة، فنصطدم بتحوّل دائم. ما نراه اليوم ليس ما سنراه غداً. ننهض من أسرّتنا صباحاً فتواجهنا مرآة الحمام، لنجد فيها صورة لنومنا البارحة. إن نمنا جيداً نجد ملامح النضارة على وجوهنا، وإن كان نومنا سيئاً تطالعنا الظلال السوداء تحت جفني العينين، ونشعر بسوء المزاج، وقبل أن نخرج من بيوتنا نلقي نظرة أخيرة على هندامنا من مرآة أخرى بجوار الباب، ثم نجد أنفسنا أمام مقود سيارتنا محاطين بعدّة مرايا، واحدة أمام العينين مباشرة وثانية إلى يميننا وثالثة إلى يسارنا، مذكّرة إيانا بأن دائرة رؤيتنا محدودة لولا هذه المرايا.
تكاثرت المرايا فلم تعد محصورة في الزجاج المعلّق على الجدران. أصبحت شاشات وهواتف وصوراً رقمية، ترينا أنفسنا كما يرانا الآخرون، أو كما نريد لهم أن يرونا: مرآة الجماعة، مرآة الرأي العام، مرآة الإعجابات والمتابعات. وهنا يزداد الالتباس: أي صورة هي الأصدق: صورتنا لأنفسنا، أم صورتنا في عيون الآخرين؟ على خلاف كارهي رؤية وجوههم في المرايا، يعبّر الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي، في قصيدةٍ بعنوان «شهوات» عن مجموعة رغبات «فلسطينية»، بينها: «شهوة أن تضايقنا في المرايا ككل العباد/ التجاعيد حول الجفون»، قاصداً الشبان الفلسطينيين الذين يستشهدون باكراً وهم في مقتبل الحياة، فما إن تتفتح زهرات أعمارهم حتى ينال منهم القتل، فلا يبلغون كهولتهم كي تضايقهم في المرايا تجاعيد الوجوه، شأنهم شأن بقية خلق الله.

[email protected]