هل يستشعر المثقفون أن التحولات الغريبة دوليّاً، لها انعكاسات على جميع الميادين، ومنها الثقافة؟ ألا يترتب على ذلك نموذج فكري جديد لرؤية العالم وصورته؟ هل الثقافة تنحصر في مكتبات الآداب والفنون؟ كيف تكون الثقافة، إذا لم تعد الأوطان والشعوب وشؤون السيادة والأمن القومي، في صميم الهموم الثقافية؟
الفنون الساخرة ليست فكاهةً فحسب. هل تذكر فيلم تشارلي شابلن عن الديكتاتور الذي يلعب بالكرة الأرضية؟ بتعبير الموشح «عشنا وشفنا»، شاهدنا سينما الواقع على شاشة لا تقاس بالبوصة. مقاييسها آلاف الكيلومترات. المثقف بطبيعته يعزف على مجموعة أوتار باقةً من المقامات، الفكر، النقد، المقارنة، منظومة القيم.. مثلاً: كيف ينظر فكريّاً إلى زلزال هزاته الارتدادية ربما تفوقه، وينجم عنه تسونامي يطيح الموازين التي كان أهل الكوكب يتوهّمون أنها كالعيدان الراسخة للنباتات المتسلقة. المشهد أشد هولاً ممّا لم يقل الشاعر: «وهل يستقيم الظل والعود أهوجُ»؟
عندما تريد الإحاطة بتيار أو وسط ثقافي، أو حتى مفكر أو أديب، فإن أهم ما يجب التنقيب عنه هو نموذجه الفكري، أي محيط إدراكه ورؤيته ومنبع أفكاره ومصبّها. ذلك يختصر لك الكثير من العناء، ويختزل الشعاب والالتواءات، فتسلك أقرب المسالك. هل على المثقف العربي اليوم التسليم بأن مجاراة الواقع الدولي الجديد، هو عين الحكمة، استناداً إلى تجلّي الشاعر: «أخاف على فخّارتي أن تهشّما»؟ حينئذٍ على الثقافة التمسك بموقفها، فإذا قيل لها: عليك نسيان شؤون السيادة وقداسة تراب الأوطان وحق الشعوب في مقدراتها، وأن تتنازلي طواعيةً أو كراهيةً، عن ثروات بلدك قالت: هي لكم.
المأساة الملهاة هي أن كل بنيان فكري ثقافي في تاريخ البشرية سيتداعى كأحجار الدومينو، سيكون الأمر انتهاكاً لحرمات كل ما له علاقة بمفهوم الحق، لأن الحق سيغدو هو الباطل، فهل المثقفون مستعدون لأقوى زلزال في الموازين العقلية على مرّ العصور؟ الإمتاع والمؤانسة لا نهاية لهما. تصور أن تظهر شركات إنتاج فنّي تتحفنا بمسلسلات تاريخية عن «أمجاد العظماء الخالدين»، الذين تفخر بهم الإنسانية من قامات نيرون وهولاكو.
لزوم ما يلزم: النتيجة الانقلابية: لعل الذكاء الاصطناعي يفاجئنا بطريقة تجعل البشرية تمشي على رؤوسها، لتلوح الأوضاع المقلوبة طبيعيةً تماماً.