وصل العالم اليوم إلى نقطة فارقة، إذ إن النظام الدولي الراهن آخذٌ في التشكل للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأ نمط جديد في الظهور، يحكم تعامل الدول الكبرى مع الدول الأضعف، في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبة السيطرة والتوسع والاستعمار. حينها كانت القوى العظمى تبرر تدخلاتها بذريعة حفظ الأمن، أو جني الثروات، أو تنمية الدول الأخرى، وهي مبررات لم تكن يوماً سوى غطاء لإضفاء شرعية زائفة على الاستيلاء والهيمنة، التي لم يجزها القانون الدولي أصلاً، رغم أن هذا القانون صاغته الدول الكبرى نفسها، ثم لم تلتزم به، حين تعارض مع مصالحها.
أمريكا وروسيا والصين تمثل اليوم العناوين الأبرز للنظام العالمي الجديد. فقد تبنت واشنطن استراتيجية تقوم على مبدأ «أمريكا أولاً»، ولم تعد تتردد في التخلي عن حلفاء تاريخيين واستراتيجيين، مثل أوروبا، من خلال التهديد المتكرر بالانسحاب من حلف «الناتو»، أو السيطرة على غرينلاند، أو عقد تفاهمات مع روسيا من وراء ظهر شركائها، فضلاً عن تصعيد خطابها تجاه قضايا جيوسياسية حساسة، وسعيها إلى فرض نفوذ شبه كامل في محيطها الحيوي داخل الأمريكتين، بما ينسجم مع رؤيتها الجديدة للأمن القومي والمصالح الاقتصادية، وهذا تماماً ما يحدث في فنزويلا بعد اختطاف رئيسها مع زوجته.
في المقابل، سبقت روسيا الولايات المتحدة حين أطلقت حربها على أوكرانيا، في محاولة لحماية مجالها الجيوسياسي، والحفاظ على مناطق نفوذها، ووقف تمدد «الناتو» شرقاً. وقد وجدت موسكو في التحولات الأخيرة في الموقف الأمريكي مسوغاً إضافياً للاستمرار في الحرب، والسعي إلى تحقيق أهدافها كاملة على حساب أوكرانيا وأوروبا، في وقت بات فيه الحل السياسي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وعلى النهج ذاته، تسير الصين التي وسعت تحالفاتها، وطورت قدراتها العسكرية، وتسعى بوضوح إلى إعادة بسط سيادتها على تايوان، ولا تستبعد استخدام أي وسيلة تراها مناسبة لتحقيق هذا الهدف، في عالم بات يدار بمنطق القوة لا بمنطق القواعد والقانون، وبات النفوذ فيه ينتزع، ولا يتفاوض عليه.
الواقع الجديد الذي يحكم العلاقات الدولية اليوم، يؤكد أن القانون الدولي يتراجع إلى الخلف، بينما تتقدم اعتبارات القوة والمصلحة إلى الواجهة، ولم يعد ميزان الشرعية وإرادة الدول الحرة هو الحاكم، بل ميزان القدرة على فرض الأمر الواقع.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو احتمالات اندلاع مزيد من النزاعات والحروب في مناطق مختلفة من العالم أمراً وارداً، بل مرجحاً، في غياب ضوابط حقيقية وسقوف سياسية كانت، حتى وقت قريب، تكبح جماح الصراعات وتمنع انفلاتها، وتوفر حداً أدنى من الاستقرار في النظام الدولي.

[email protected]