في عالم تتماهى فيه التكنولوجيا، وتتراقص على أوتار الزمن التطورات المتسارعة، والأحداث المتغيرة، يتغير مع تغيراتها الوعي البصري لامتداد التاريخ، وإرث الماضي، وصوت الهوية المتجذر بتفاصيل وعبق الأصالة في حياة من سبقونا، في عوالم الطفرة الرقمية والفن الرقمي واحتدام الحوار بين من يبقى ويستمر، من سيتصدر المشهد، تتسامى إلى الأذهان، وبعد سنوات، حقيقة المبدع وأصالته..! يختار المبدعون المتعطشون للتطور والتفرد، العزلة، عزلتهم الفنية التي تربي فيهم التجربة والتعلم والتدريب والتطور، العزلة المهنية تمتد لسنوات في صمت تام بعيداً عن ضجيج الأحداث ومغريات الحياة المادية، محدثة فرقاً ذاتياً يعود للسطح بعد مرحلة نضج.
بعد غياب أربعة أعوام، تزورني دعوة من والدي محمد المر لحضور افتتاح معرض الفنان «فريد الريس»، فريد الذي زرته في معرضه الشخصي الثاني في 2023، لأكرر الزيارة هذا العام في معرضه «إرث ولون». معرض يحكي معاليه عنه بحروف قلمه: «إن الفنان فريد الريس من أبرز ممثلي التيارات الشابة في الفن التشكيلي، اختار لنفسه اتجاهاً شخصياً مميزاً، فضّل فيه أن يركز على الذاكرة المعمارية الإماراتية والطبيعة الإماراتية».
في معرض فريد تقف لوحة «مجلس الشندغة» لتأسرك في حضور بهي، تجليات التفاصيل التي لا تجعلك تتساءل بل تفخر بهذا المستوى، محاكاة الأصل وتجربة فرض بصمة من اللون والإحساس الخاصة بالفنان، معطياً طابعاً مختلفاً، ليست اللوحة مجرد مبانٍ في نظري، بل انعكاس حي لفكر فنان يجسده في خلود البصر تفاصيل إرث وتاريخ دبي، المجلس الذي شهد من الأحداث ما يجعله أيقونة وهوية لدبي، وما مرّت به وما تتطلع إليه من مستقبل، فلا يزال يشهد على حضور أصحاب السموّ والشخصيات البارزة لرسم قصة المستقبل، تأتي هذه اللوحة وحدها متفردة ومتصدرة صفحة المعرض.
مجموعة لوحات الطبيعية في انعكاساتها اللونية التي تفوّق فيها الفنان على ذاكرة المكان، وأبرز قيمة التأمل في ما خلق الله وتعلم كيف هي الحالات اللونية المختلفة في أدق التفاصيل، وكيف توصلك لحالة انتشاء نفسية لا تتوقف. «الجهنمية»: لوحة أخرى تغلّب فيها الفنان على عنصر الأصل، وأضاف إليها بصمة جديدة من تاريخ وروح الفرجان والبيوت التي تتجمل بهذه الشجرة وأصبحت في رمزيتها حباً وجمالاً منعكساً في صدر اللوحة، وهنا يطلق الفنان فريد الريس رسالة مهمة في الفن المعماري والطبيعة، أن التجدد أيضاً مهم، وأن بصمة الفنان هي التي تجعله مختلفاً، وأن الجرأة في طرح فكر لوني وشكلي جديد هو كسر للقاعدة ووصول لقلوب المجتمع برؤية بصرية متناغمة مبهجة. أمام الفنان فريد مشوار ومستقبل من التحديات، فتفاصيل ما وصل إليه ستجعله يتحدى نفسه مراراً وتكراراً، ليصل إلى مستويات عالمية يستحقها بجدارة.

[email protected]