من يذهب لزيارة القاهرة للمرة الأولى في حياته، ينقصه الكثير إذا لم يقرأ كتاب «مقهى ريش.. عين على مصر» للشاعرة والرسامة ميسون صقر القاسمي، ذلك أن زائراً كهذا ستكون عينه على مقهى ريش، وبخاصة إذا كان كاتباً أو شغوفاً بالكتابة والأدب وأجواء مقاهي المثقفين، فضلاً، عن الكتاب في أحد جوانبه البحثية والاستقصائية هو جزء من تاريخ مصر الحديث، بقلم شفاف تجري فيه روح الشعر.
يخبرنا الكتاب، وهو تحفة تاريخية قصصية، أن عدد سكان مصر كان في عام 1863 نحو 270 ألف نسمة، وكانت القاهرة في عام 1925 أنظف مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان في القاهرة في عام 1880 نحو 1027 مقهىً، ونعرف من الكتاب أن من أوّل المسارح في القاهرة مسرح «الكوميدي فرانسيز» الذي أنشئ، كما تقول المؤلفة، في 2 نوفمبر 1867، ومسرح «دار الأوبرا الخديوية» والمسرحان أقامهما الخديوي إسماعيل.
عدت إلى قراءة كتاب «مقهى ريش»، وذلك في حمى الكتابات الصحفية الآن في مصر وفي بعض البلدان العربية حول فيلم «الست» الذي طرح في الصحافة انقسامين لا انقساماً واحداً، أولاً حول الفيلم في حدّ ذاته من الناحية الفنية والموضوعية، وثانياً حول الست أم كلثوم نفسها كقيمة فنية وظاهرة ثقافية وإنسانية.
في أثناء قراءتي لكتاب «مقهى ريش» ذهبت إلى تتبع علاقة الست بهذا المقهى القاهري التاريخي، والذي كان يشكل مركزاً ثقافياً في قلب العاصمة، وفيه التقى شعراء وروائيون ومفكرون وفنانون مصريون، ومن الوطن العربي، وكأن من لم يشرب فنجان قهوة في «ريش» لم يشرب من النيل لكي لا يعود مرة ثانية إلى «أم الدنيا».
تذكر ميسون صقر القاسمي استناداً إلى كتاب د.نعمات أحمد فؤاد الذي وضعته عن أم كلثوم أنها «كانت تغني بعض القصائد في ريش وهي ترتدي الثياب البدوية المتواضعة، وقد بدت وكأنها تتنكر في صورة فتى»، وتضيف الكاتبة أن أم كلثوم أحيت حفلاً في مقهى ريش عام 1923، وكان ثمن التذكرة 15 قرشاً.
والد أم كلثوم الشيخ إبراهيم، كما يأتي في الكتاب، كان له فرقة غناء، وكان يعمل إماماً ومؤذناً لمسجد قريته طماي الزهايرة.
نقرأ مرة ثانية في الصفحة 489 أن أم كلثوم غنّت بالعقال في مقهى ريش، وبدأت الغناء في الثانية عشرة من عمرها «فاصطحبها والدها معه لتغني وهي ترتدي العقال وملابس الأولاد، وبعدما سمعها القاضي علي بك أبو حسين قال لوالدها: لديك كنز لا تعرف قدره.. يكمن في حنجرة ابنتك».
جانب من حياة «الست» موثّق في مقهى ريش صوراً ونصوصاً، وأحسب أن هذه المادة الوثائقية المهمة جداً لم تظهر في الفيلم المختلف عليه.
[email protected]
«الستّ» في مقهى الريش
18 يناير 2026 00:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 يناير 00:02 2026
شارك