الملكية الفكرية في الاقتصاد الجديد

21:05 مساء
قراءة 3 دقائق

د. راسل قاسم*

تشير التقديرات الحديثة إلى أن ما يقارب 30 في المئة من الرؤساء التنفيذيين عالمياً سيعتمدون على توائم رقمية خلال السنوات القليلة المقبلة للمشاركة في الاجتماعات واتخاذ القرارات. لا يمكن لنا هنا أن ننظر إلى هذه التطورات كمجرد قفزة تقنية، بل هي تحوّل جذري في مفهوم الأصل المؤسسي نفسه، حيث لم تعد الأصول مقتصرة على براءات الاختراع والعلامات التجارية، بل امتدت لتشمل الصوت، والملامح، والهوية الرقمية، وحتى الخيال المنتج المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وقد انتقلت هذه القضايا خلال العامين الأخيرين من دائرة النقاش النظري إلى منصات صنع القرار، وجرى تناولها بشكل مباشر في فعاليات دولية كبرى مثل القمة العالمية للحكومات، ومنتدى دبي للمستقبل، ومنتدى دافوس الاقتصادي العالمي، ومؤتمر باريس للذكاء الاصطناعي المسؤول، وحتى في مؤتمر الفضاء التجاري.
في هذا الإطار، تبدأ الأسئلة الاستراتيجية الصعبة بالظهور من قبيل: من يملك هذه الأصول؟ من يدير مخاطرها؟ ومن يتحمل مسؤولية إساءة استخدامها؟
لقد أصبح الاقتصاد الحديث قائماً على أصول لا تُمسك باليد كالبيانات، والنماذج الخوارزمية، والسمعة الرقمية، والهوية الشخصية للقادة، التي تحولت جميعها إلى عناصر تولد قيمة اقتصادية مباشرة. غير أن الأطر التنظيمية الحالية لا تزال تتعامل مع الملكية الفكرية بعقلية القرن العشرين، حيث كان المؤلف فرداً والعمل منتجاً مغلقاً والاستخدام قابلاً للضبط.
لكن يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد كسر هذه المعادلة، فالنماذج التوليدية لا تكتفي بإعادة الإنتاج، بل تمارس ما يمكن تسميته الخيال الأدائي، أي توليد محتوى جديد انطلاقاً من تراكم معرفي جماعي، وهو ما يضع فكرة الاحتكار الصارم للملكية الفكرية على المحك، ويطرحها للنقاش على طاولة ساخنة.
لربما من أكثر الملفات حساسية في هذا الموضوع استخدام الأصوات والصور بعد وفاة أصحابها. نستذكر هنا الجدل الذي رافق قرار استوديوهات مارفل بعدم استخدام نسخة رقمية للممثل تشادويك بوزمان بعد وفاته خلال تصوير فيلم بلاك بانثر، وقد كشف ذلك عن فجوة أخلاقية وقانونية عميقة. المسألة هنا لم تكن تقنية، بل ذات بعد مؤسسي، لأنه يتعلق بحق الشركات في إحياء الأصول البشرية رقمياً دون موافقة صريحة.
الاستجابة التشريعية على ذلك بدأت بالظهور في بعض دول العالم، فقد تم في الولايات المتحدة اقتراح مشروع قانون رعاية الإبداع ودعم الفن وحماية صناعة الترفيه من التزييف، ليؤسس لحق قانوني صريح في الصوت والصورة باعتبارهما أصول ملكية تستمر حمايتها حتى بعد الوفاة، مع آليات واضحة للترخيص والتجديد والمساءلة، ويعكس هذا تحولاً نوعياً من حماية الإبداع إلى حماية الهوية ذاتها.
في المقابل، نشهد توجهاً موازياً نحو نماذج ملكية أكثر انفتاحاً تؤكد أن المشاركة لا تعني التخلي عن الحقوق. مثل إتاحة أرشيفات علمية وثقافية ضمن تراخيص المشاع الإبداعي كقيام ناسا بإتاحة ملايين الصور والبيانات العلمية والثقافية للجمهور تحت تراخيص مرنة تسمح بإعادة الاستخدام والتطوير، مع احتفاظها بالحق القانوني الأصلي. لم يُضعف هذا النموذج قيمة الأصول، بل عزّز أثرها الاقتصادي والمعرفي، وفتح المجال أمام ابتكارات جديدة في التعليم والصناعات الإبداعية.
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أربك الحدود القانونية على الأرض، فإن الفضاء يذهب بها إلى أبعد من ذلك. الأنشطة الفضائية التجارية تطرح سؤالاً حول أي قانون يطبق خارج الولاية الإقليمية.
اتفاقية محطة الفضاء الدولية قدمت حلاً عملياً قائماً على مبدأ الولاية حسب الوحدة، حيث يخضع كل جزء للقانون الوطني للدولة المالكة له، بما في ذلك براءات الاختراع والحقوق المرتبطة بالبيانات، غير أن هذا النموذج يبدو هشاً أمام موجة المحطات التجارية والقواعد القمرية القادمة.
أكدت دراسات المنظمة العالمية للملكية الفكرية منذ وقت مبكر أن غياب إطار دولي منسجم لحماية الملكية الفكرية في الفضاء قد يبطئ استثمارات القطاع الخاص ويزيد من النزاعات العابرة للحدود، وهو ما يكرس الفضاء كمختبر قاسٍ يكشف محدودية النماذج القانونية التقليدية.
من نافلة القول، أن إدارة الأصول في العقد القادم لن تقتصر على المحافظ المالية أو الملكيات المادية. وهناك حاجة إلى بناء أطر حوكمة شاملة للأصول غير الملموسة، مع ربطها باستراتيجيات إدارة الامتثال والمخاطر. وهذا ما سينقل المؤسسات من عقلية الحماية المطلقة إلى عقلية الحوكمة الذكية. 

*خبير إداري

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"