لماذا نتفاخر بالعمل الزائد والإرهاق؟
المأساة الحديثة أننا تحولنا من كائنات بشرية إلى كائنات فاعلة، بتنا نركض في جداولنا المزدحمة لا لننجز شيئاً، بل فقط لنثبت أننا موجودون.
عندما يسألك أحدهم: كيف حالك؟ سؤال يومي عابر، لكن إجابتنا عليه صارت آلية: «مشغول جداً!»، نلقيها بمزيج غريب من الشكوى والفخر في آن واحد. هل جربت مرة أن تكسر هذه القاعدة وتقول بصدق: «أنا متفرّغ اليوم»؟ ستشعر بخجل مفاجئ، كأنك اعترفت بجريمة. الفراغ صار تهمة، والانشغال وسام شرف.
لم تكن الحياة هكذا دائماً. أتذكر حين كانت فترة الظهيرة نهاية الدوام، أما اليوم فالعمل يمتد إلى فترة العصر وما بعدها. بين الخمسينيات والثمانينيات، عاش الناس ما يشبه «الهدنة» مع العمل. كان الموظف يغلق باب مكتبه ويترك همومه خلفه. لكن تلك الحدود تلاشت حين تسللت التكنولوجيا إلى جيوبنا، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت الانشغال من حالة إلى عرض مسرحي. تجد من يجلس في المقهى ساعات، الحاسوب مفتوح أمامه، يعطي انطباعاً بالانهماك في مشاريع مهمة، بينما هو ربما يتصفح فقط. صرنا نعمل ليس لننتج، بل لنُرى ونحن نعمل.
في هذا الضجيج، ورثنا خدعة كبرى: أن الإنهاك فضيلة. خلطنا بين الحركة والإنجاز. قد تحترق أربع عشرة ساعة بين الرسائل والاجتماعات، وتعود لوسادتك منهكاً دون أن تنجز شيئاً حقيقياً. مئة رسالة لا تساوي مشروعاً واحداً مكتملاً. نقيس النجاح بالحركة، لا بالتقدم. ندور بسرعة، لكننا ندور في المكان نفسه والثمن ندفعه من أعصابنا ونومنا ولحظاتنا مع العائلة، ثم نرويه كقصص بطولة: «تخيّل! لم أنم سوى أربع ساعات هذا الأسبوع!».
لكن الأخطر من هذا أن الانشغال صار درعاً نحمي بها أنفسنا من العتاب. «فلان مشغول» تعني «فلان معذور». نستخدمها ذريعة للهرب من الواجبات: زيارة قريب، اتصال بصديق، لحظة مع الأبناء. الانشغال يعفينا من المسؤولية. وإذا تجرأنا ونظرنا في المرآة سنكتشف أننا أحياناً نستخدم العمل مخدّراً للهرب من أنفسنا. الصمت مخيف، والفراغ ثقيل، فنملأ كل لحظة صمت بأي شيء.
ربما حان الوقت لنعيد تعريف النجاح. الراحة ليست خطيئة، والفراغ ليس فشلاً. أثمن ما تملكه اليوم قد لا يكون جدولك المزدحم، بل تلك الساعة الفارغة التي تتنفس فيها وتستعيد إنسانيتك.
البطولة الحقيقية اليوم أن تملك الشجاعة لتقول «أنا غير مشغول»، وتعيشها بامتلاء، دون ذرة خجل.