احتفت دولة الإمارات العربية المتحدة أمس الأول بيوم العزم. خبرٌ يمكن أن يمر مرور الكرام في الأيام العادية، لكنه في واقع الأمر ليس خبراً، لا يوم العزم، ولا الاحتفاء به في هذه الظروف المهمة. فهذا اليوم أبعد ما يكون عن يوم تُحشد له اللغة وتُدبّج فيه القصائد، وتُذكر فيه الإنجازات والتضحيات الوطنية، هو أكبر مما ذكرنا بكثير لأنه بكل بساطة، اللغة المتشظّية، وهو القصيدة التي كُتبت والتي لم تُكتب بعد، بل إنه الفكرة التي قيلت والفكرة التي لم تُعلن بعد، ويوم العزم هو المبدأ الذي أُعلن والمبدأ الذي لم يُعلن عنه بعد. وكل ما لم يُكتب ولم يُقل ولم يُعلن مُنجز في رئة المستقبل، وبالتالي فهو متحقّق في الواقع وله أذرع في المستقبل. هكذا هي الأيام المستندة إلى المبدأ لا تحيط بها قصيدة ولا يسعها قول وهي أكبر من كل المقاسات.
ويكاد يوم العزم أن يجمع في صدره كل أيام الأعوام المُحتفى بها، يوم العطاء والابتكار والعلم والشهيد واليوم الوطني والخير، كما أنه يشمل مؤشر السعادة المتضمنة معايير كثيرة سياسية وخدمية وثقافية وتنموية واقتصادية وأشياء أخرى، والتفصيل في ذلك يتطلب صفحات وصفحات في الصحيفة، إذ كيف لصفحة واحدة يمكنها استيعاب مبدأ واحد من مبادئ يوم العزم وهو مبدأ التسامح، بما يعنيه من أبعاد اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وسياحية وقانونية، وهو معيار من معايير السعادة، ومعيار الانتماء والولاء.
قلنا في البداية إن الاحتفاء يأتي في مرحلة مهمة من تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة وتاريخ مجلس التعاون وتاريخ المنطقة والشرق الأوسط بشكل عام. فدولة الإمارات العربية المتحدة في قلب بيئة سياسية مشتعلة منذ أكثر من عقد ونصف العقد، تشهد تحديات مفصلية وأخرى جيوسياسية وثالثة وطنية بامتياز، ونظراً لدورها المحوري ومسؤوليتها في استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، فإنها معنية وبشكل مباشر بكل ما يجري في المنطقة من تغييرات عقلانية وغير عقلانية، لأنها جزء مهم من الكل، تؤثّر وتتأثّر، تجدّد وتتجدّد، وأهم جزء في هذا الحرص يتمثل في مسؤوليتها الأمنية، ولا سيّما في الممرات البحرية المهمة والحدودية، ومحاربتها للتطرّف والإرهاب الذي داهم المنطقة ولا يزال يشكّل تهديداً وخطراً على الأمن الإقليمي، رغم أن البعض لا يصدّق ذلك، لكن كل الأحداث تدلّ على أن الإرهاب قد يتفجر بطريقة دراماتيكية كما حدث في عام 2011 في أكثر من بلد عربي، والإمارات أخذت على عاتقها التصدّي لنوايا التنظيمات الإرهابية والكيانات التي تم تصنيفها مؤخراً إرهابية، ولن نتوسّع أكثر في موضوع أُشبع بحثاً ودراسة.
أما على الصعيد الداخلي، فيوم العزم هو يوم سلام واطمئنان رغم ما قد يبدو من قسوة في معنى العزم. فلو عدنا إلى ما قبل 54 عاماً، يوم عزم القادة المؤسسون على إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، فإنهم كانوا بذلك يختبرون إرادتهم على تحقيق الأهداف الكبيرة، ومن يعود إلى أقوال المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بشأن إنشاء الاتحاد، لوجدنا الإرادة والتصميم والعزم على تحقيق الحلم الأكبر، وقد تحقّق بفضل الإيمان بالاستحقاقات الإنسانية والسياسية والاقتصادية، ولا تزال الأقوال تتردّد صداها إلى يومنا هذا حاملة معها الحكمة والرشاد والاستدامة.
وهناك عزم آخر سار في خطٍ متوازٍ مع فكرة الاتحاد وبناء دولة الوحدة، وهو الإصرار على تحقيق تنمية شاملة وفق المعايير العالمية، فكانت المؤسسات التعليمية والصحية والرعوية والثقافية والفنية، وكان تأمين حقوق فئات محدّدة مثل فئة كبار المواطنين وأصحاب الهمم والطفولة، إضافة إلى حقوق المرأة في كل مجالات الحياة الأسرية والمهنية، وقد ساوتها القوانين بالرجل في الراتب والامتيازات والتطور. وتم تطوير التشريعات الخاصة بالمرأة حتى باتت من أفضل التشريعات في العالم. باختصار تم تحقيق الإنجازات ذات الصلة بالبناء والتنمية.
يوم العزم هو مناسبة لتأكيد التزام الدولة بتعهداتها الأمنية، خارجياً وداخلياً، ولا نرى فصلاً بين المفردتين، كلاهما في حالة تأثير وتأثر، وكذلك التزاماتها الإقليمية لا سيّما في محاربة الإرهاب والمحافظة على الاستقرار في المنطقة، وأيضاً التزاماتها الأخلاقية تجاه االقضايا العادلة، وكذلك في مجال العطاء ومد يد العون للقريب والبعيد، من دون تمييز في اللون والعرق والعقيدة.
يوم العزم هو للتأمّل والمراجعة وعملية جرد الحساب، بين الدولة وذاتها، وبين المواطن وذاته، وبين الدولة والدول الأخرى، لترى أين كل نفس وطرف أصاب وأخطأ، وليتبيّن الإنسان، الدولة، الوطن موقفه من الأطراف الأخرى، فيتفكّر في علاقته مع الأصدقاء، والتحالفات، ويقوم بعملية تقويم حقيقية صادقة للذات والآخر.
هذا التأمّل من صميم عملية مبدأ العزم، لأن نتائجه ستؤثر في المعاملات والتعاملات الحالية والمستقبلبة، وقد تقوم بوضع آلية جديدة للعمل الوطني، وخطوات جديدة لتحديد مستوى الانفتاح على الآخر، وربما تحدث عملية مراجعة للتحالفات السياسية والعسكرية والثقافية للبدء بمرحلة جديدة مبنيّة على الشفافية والصدق والعزم الأكيد.

[email protected]