عاش شاعر الموضة وسيد القماش الأحمر فالنتينو جارافاني (1932-2026) شبابه مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، قرن السينما والمسرح والراديو، والذروة الأولى من صناعة السيارات، قرن رامبو وبودلير وسارتر في فرنسا، والبيرتو مورافيا في ايطاليا، قرن الحداثة والحاسوب وانفجار ثورة الموسيقى وهبوط الإنسان على القمر، لكنه، أيضاً، قرن الحروب والجدري، والاستعمار بكل أشكاله العسكرية والسياسية واللغوية، لكن الثياب التي فصّلها بالخيط والدرزة والإبرة على أجساد النساء المولعات باللبس والعطر، تركت كل ما هو أسود ورمادي ومجنون في قرنه العشريني، وراح فقط إلى الأناقة. أضاف إلى الجسد البشري جسداً آخر من القماش، وكان يقول ما من امرأة ترتدي الأحمر إلّا وهي رائعة.
ما هي قصة اللون الأحمر في حياة جارافاني؟ لا توجد قصة في حد ذاتها، لكن الرجل الإيطالي الوسيم ابن سلالات الضحك والغناء والبيتزا جعل الأحمر قصة مصنوعة من القماش، بل ذهب، من دون أن يدري، إلى تغيير الدلالات الثقافية والنفسية للأحمر الذي يوصف باللون الحارّ عند رسّامي الطبيعة الحية والجامدة.
اختزل شاعر القماش دلالة الأحمر الدموية التي نبعت ثقافياً عن سيول الدم التي اندلعت من الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى موضة، ولنقل موضة حمراء، كما لو أنه خفف حرارة النار في الدم البشري المأساوي بواسطة تلك الرقة الأرجوانية أو القرمزية التي أضفاها على القماش الأحمر، وراح يُلبس النساء ثياباً باردة تماماً، ثياباً رقيقة، أنيقة، ناعمة، تنسجم تماماً مع أنوثة المرأة، ورغبتها النفسية الدفينة في تحويل كل ما هو حار إلى ما هو بارد بلطفها وتسامحها إن كانت من هذا النوع من النساء اللواتي يعرفن الصفح والنسيان.
من المؤكد هنا أن فالنتينو جارافاني لم يضع في اعتباراته الثقافية كل هذه القراءة الدلالية التي أقدّمها الآن في مناسبة رحيله أمس الأول عن 93 عاماً أمضاها في العطر واليخت والأناقة التي حوّلها إلى شعر.
هل هو شاعر؟ بالمعنى اللغوي الحرفي لا، ليس بشاعر، لكن بالمعنى الرمزي أو الفني هو شاعر من رأسه إلى أساسه، وما قام به في شبابه وكهولته هو، في رأيي، قصيدة طويلة، وأكثر من ذلك، هو ظاهرة ثقافية.
نعم، نحن في ثقافتنا العربية لم نقرأ الموضة والثياب والعطور والحقائب التي يصمّمها رجال الأناقة في العالم بوصفها ظواهر ثقافية، وانحصرت قراءاتنا في الأدب ونصوصه الروائية والشعرية واللغوية، في حين أن الموضة لها لغتها، ولها بلاغيتها الجمالية، وحضورها النفسي القوي في حياة الإنسان الذي يشعر بحيوية مدهشة لمجرد أن اشترى قميصاً جديداً، وارتداه في ليلة باردة بصحبة امرأة.
فالنتينو جارافاني تاريخ ثقافي جمالي للقماش، وربما هو جزء من التاريخ النفسي للون الأحمر.
[email protected]