يرعى مهرجان طيران الإمارات للآداب منذ انطلاقه في العام 2009، وإلى اليوم العديد من الجهات والمؤسسات المحلية الحكومية والخاصّة، لكن اللافت هنا هو دعم المهرجان عن طريق مراكز ودوائر اقتصادية مثل: طيران الإمارات، وبنك الإمارات، وبنك دبي الوطني، ومركز دبي التجاري، ودائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي.
إذاً، وبكلمة مباشرة، الاقتصاد وقطاعاته الإدارية والإنتاجية داعم حيوي للثقافة ليس بالقنوات المالية فقط، بل وأيضاً بالمشاركة المعنوية والإعلامية واعتبار الثقافة موازياً استثمارياً ناجحاً لكل مرافق التنمية التي تقوم في الأساس على قطاع الاقتصاد وفكره ورجالاته.
أوجدت دبي هذه المعادلة الناجحة، أي معادلة الاقتصاد والثقافة من خلال فعاليات المهرجان، وهي معادلة تاريخية قديمة في ذاكرة دبي إذا عدنا إلى تاريخ الثقافة المحلية في الفترة التي سبقت ظهور النفط، والفترة التي تلتها، وهما المرحلتان اللتان كان رجال المال والأعمال والتجار وأعيان البلاد خلالهما يسهمون في بناء المدارس، ويدفعون بحركة التعليم من أطرها الأولية إلى أشكال التعليم النظامي التي عرفته الإمارات في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.
كان الكثير من تجار دبي شعراء، وأدباء، ومؤرخين، وفقهاء، والبعض منهم كانوا لغويين ومؤسسي مكتبات، وجامعين للوثائق وأمّهات الكتب، وإذا أردت تقريب الصورة أكثر، كان أولئك الرعيل الأول من أهل دبي بحّارة ونواخذة وتجاراً في النهار، ومثقفين في الليل، حين يأوون إلى بيوتهم في الشندغة وديرة وجميرا ويعقدون فيها مجالس الشعر ودواوين الرفقة على قراءة الكتب، وقبل ذلك اقتناها وجمعها من مكتبات الهند والصين وإيران.
هذا الجذر الثقافي التاريخي لا يمكن تجاهله ونحن نرى روح الأدب والشعر والثقافة في أداء مهرجان طيران الإمارات للآداب، ومرة ثانية، الكيفية النبيلة التي تدعم بها الدوائر الاقتصادية في دبي كل فعاليات المهرجان، أي أن هذا الدعم له تاريخ وذاكرة قبل أن يصل إلى ما هو عليه من عالمية ثقافية تجاورها وتتكامل معها ثقافتنا العربية برموزها المبدعة من شعراء وكتّاب وفنانين.
استقطب المهرجان كتّاباً من العالم حازوا نوبل في الأدب، والكثير من ضيوف المهرجان الشعراء قرأوا في ليل الصحراء، وعرفوا روح المكان التي هي روح شعراء أصلاء مثل راشد الخضر، والماجدي بن ظاهر، وأحمد بن ماجد، وسلطان العويس، وحبيب الصايغ، وأحمد المدني، وأحمد راشد ثاني، وغيرهم من الأرواح الشعرية الإماراتية، وهؤلاء أدباء وكتّاب، كان لهم أثرهم وتوقيعاتهم النابضة بالحياة في الثقافة الإماراتية، وكان معهم وإلى جوارهم دائماً رجال اقتصاد شعراء وجّهوا المال لخدمة الثقافة.
[email protected]