من فعاليات اليوم الأول لمهرجان طيران الإمارات للآداب، ندوة بعنوان: «اللغة العربية وثقافات الشرق»، تحدثت فيها مستعربتان كوريتان هما كريمة كين ونبيلة بون أون كيونج، بالإضافة إلى المترجمة المصرية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية، يارا المصري، وأدارتها مروى ملحم، مديرة البرنامج العربي في المهرجان، طافت فيها المتحدثات في التفاعل بين الثقافة العربية، لغةً وأدباً، وثقافتين آسيويتين مهمتين هما الكورية والصينية.
يستوقفنا الاسمان الأولان للمشاركتين الكوريتين: كريمة ونبيلة، ومن السياق نفهم أنهما آثرتا أن تترجما اسميهما الأصليين في لغتهما الكورية إلى العربية، ربما رغبة منهما في تقريب المعنى والدلالة إلى المتلقي العربي، وهو يتعرف إلى ثقافة أخرى، تجمعنا وإياها، خاصة نحن في المشرق، القارة الآسيوية، التي لا نعرف عن ثقافاتها إلا القليل. وما يشدّنا أكثر حديث المترجمتين الكوريتين عن أهمية فهم اللغة العربية كأحد مفاتيح فهم الحضارة الإنسانية، بالنظر إلى الشأن الكبير للمكوّن العربي – الإسلامي في هذه الحضارة، علماً وثقافة وأدباً وتاريخاً، وأمر مبهج أن نسمع مثل هذه الشهادة عن لغتنا وثقافتنا، كأنها تذكرنا كيف وأين كنا وأين وكيف أصبحنا.
تولت كريمة كين ترجمة أعمال أدبية وفكرية عربية مهمة إلى اللغة الكورية، من أبرزها «البخلاء» للجاحظ و«المقدمة» لابن خلدون و«المقامات» للهمذاني، وفي مداخلتها أشارت إلى الصعوبة التي واجهتها في ترجمة مفهوم «العصبية» الذي وضعه ابن خلدون إلى الكورية، حيث تعذر عليها إيجاد معادل لغوي كوري له، ويمكن تخيّل ذلك إذا ما أدركنا أن الحديث لا يدور عن مفردة بسيطة يمكن العثور على ما يوصل معناها إلى الآخر بلغته، وإنما عن مفهوم ينطوي على دلالات عميقة تتصل بجوهر مساهمة ابن خلدون في تأسيس علم الاجتماع.
العصبية، وفق ابن خلدون، هي القوة الدافعة للتاريخ، حيث تبرز في الصراعات وتدفع الجماعات لتكوين دول، وبمقدار ما هي ضرورية لقيام الدول، فإنها حين تضعف أو تتلاشى تصبح سبباً لسقوطها وانهيارها، كونها تمثل السلطة القسرية الضرورية لحفظ النظام في المجتمع، وتتدرج من سلطة شيوخ البدو إلى سلطة الملك والسلطان، ولأنها أساس قيام الدول وسقوطها فإنها تبقى مجددة لدورة التاريخ بظهور عصبية جديدة تحلّ محل القديمة.
فعلت المترجمة ما يفعله المترجمون من لغة إلى أخرى، حين لا يجدون المقابل المناسب في اللغة المترجم إليها لمفهوم علمي كذاك الذي اجترحه ابن خلدون، فآثرت أن تبقي مفردة «العصبية» كما هي بالعربية، مع إضافة شرح وافٍ لمعناها ودلالتها، لتعريف القارئ الكوري بالمقصود.