د. إدريس لكريني

منذ نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي، أعلنت الولايات المتحدة عن بداية تشكل «نظام دولي جديد»، حرصت على قيادته والتحكم في مساراته، بناء على مقوماتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والبشرية التي لم تجتمع لغيرها من الأقطاب الدولية الأخرى التي انكبّت من جانبها على أولويات داخلية. ذلك أن الصين أولت اهتماماً بالغاً لتطوير اقتصادها وتعزيز العدالة المجالية بين أقاليمها، علاوة على استكمال وحدتها الترابية، فيما سعت روسيا إلى التخلص من الإشكالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي خلفها تفكك الاتحاد السوفييتي (سابقاً).
وقد استثمرت الولايات المتحدة هذه الظروف لصالحها، على مستوى تدبير الأزمات، والتحكم في قرارات عدد من المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، والترويج للنموذج الغربي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً عبر آليات العولمة، بالإضافة إلى التدخل الاقتصادي والعسكري في عدد من الدول بذرائع مختلفة.
ويبدو أن الانفراد الأمريكي بقيادة النظام الدولي، تجاوز الكثير من الحدود التي بدأت تزعج كلاً من الصين وروسيا، بل وعدد من الدول الأوروبية التي ظلت تجاري السياسات الأمريكية الخارجية وتدعمها. وأمام هذه المتغيرات اشتدت حدّة التنافس الدبلوماسي والاقتصادي بين هذه القوى (الولايات المتحدة وروسيا والصين) بشكل ملحوظ، قبل أن يتحول ذلك إلى صراع حقيقي لإعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية وإرساء نظام عالمي تعدّدي خلال السنوات الأخيرة.
أضحت أطراف هذا الصراع جلية أكثر من أي وقت مضى، فالولايات المتحدة تعمل بكل إصرار لأجل المحافظة على مكانتها الدولية، وإعادة تشكيل شراكاتها وتحالفاتها، وهو ما تؤكده مواقفها المتباينة مع عدد من البلدان الأوروبية (الحليفة التقليدية) بشأن مستقبل الأمن الأوربي ومكانة حلف «الناتو» في هذا الصدد، بالإضافة إلى الموقف من الحرب الروسية الجارية في أوكرانيا التي كلفت الأوروبيين هدر الكثير من الإمكانات والتضحيات بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا.
حقيقة الصراع بين هذه القوى ما زال مؤطراً بمجموعة من الخطوط الحمراء التي تطرحها هذه القوى في مواجهة بعضها، فالصين تصر وسط هذه التحولات المتسارعة على تعزيز نفوذها الاقتصادي (مبادرة الحزام والطريق) وتوسيع «البريكس»، وتعزيز «استقلاليتها التكنولوجية» بشكل هادئ ودون أي صدام عسكري مباشر مع الولايات المتحدة.
أما روسيا، فقد تطورت مواقفها وسلوكياتها الدولية في عهد الرئيس بوتين، وبخاصة مع تمدد «الناتو» ووصوله إلى حدودها، وأصبحت بدورها ترغب في الحد من الهيمنة الأمريكية والغربية على شؤون العالم، وهو المطلب الذي تتقاسمه مع الصين.
يبدو أن القوى الدولية الثلاث (الولايات المتحدة، وروسيا والصين) باتت مقتنعة واقعياً وأكثر من أي وقت مضى بضرورة تفادي الصدام، والتعايش في إطار نظام دولي يضمن مصالحها، حيث تبرز مؤشرات واضحة لإعادة توزيع النفوذ في سياق تفاهمات ضمنية بين هذه القوى. فالولايات المتحدة تتحرك بمنطق أحادي في سياق ممارسات لا تخلو من إشكالات قانونية وسياسية وأمنية في عدد من المناطق (العمليات العسكرية في إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو..)، فيما تنفرد روسيا بفرض منطقها العسكري في حربها داخل أوكرانيا، حيث أبدت الولايات المتحدة على عهد ترامب قدراً من التفهم لتحركات ومخاوف بوتين في هذا الخصوص.
أما الصين، الصاعدة بكل حزم وهدوء، فهي تحقق مكتسبات اقتصادية وتكنولوجية هائلة في عالم مرتبك، وتسعى إلى تعزيز تمددها الاقتصادي من خلال مشروعها الاقتصادي (الحزام والطريق) الذي يظهر أنه ستحدث تبدلات كبرى في مرتكزات وضوابط الاقتصاد العالمي.
إن طموح روسيا والصين في إعادة تشكيل النظام الدولي لا يعكس الرغبة في إزاحة الولايات المتحدة، بقدر ما يركز على إنهاء منطق الأحادية القطبية وبناء نظام تعددي تلعبان فيه دوراً طلائعياً إلى جانب أمريكا.
وأمام كل هذه المعطيات والمؤشرات، التي تحيل إلى تراجع مرتكزات النظام الذي برز مع نهاية الحرب الباردة وتأسيس الأمم المتحدة وتطوره مع تفكك الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، ونهاية الحرب الباردة، يبدو أن سيناريو إرساء نظام تعددي تقوده القوى الدولية الثلاث، هو الأكثر احتمالاً.

[email protected]