د. باسمة يونس

أن يصدر كتاب يزيد على ثلاثمئة صفحة بكلمة واحدة «مياو»، ويصنف الأكثر مبيعاً على موقع تجاري، ليست طرفة بريئة، بل فاجعة ثقافية مقلقة وجرس إنذار عن معنى الجودة واختلافها في كل عصر؟.
هذه الظاهرة تكشف أن السؤال الآن لم يعد عن ماهية الأدب الجيد بل عما يمكن تسويقه ولفت الانتباه به، وما أبعد المسافتين.
وليست الفاجعة في العبث ذاته وهو جزء من تاريخ الفن، لكن العبث في الاحتفاء الأعمى بالفراغ وتحول البيع إلى معيار وحيد للجودة، وفي تصفيق السوق لما هو أقل قيمة، وقد يبدو السؤال عن الجودة بسيطاً في ظاهره، لكنه في حقيقته مرآة تعكس أزمة الذائقة، وارتباك المعايير، وقلق الإنسان وهو يحاول أن يمنح المعنى لأي شيء يلفت الانتباه إليه. إن الأدب لا يقاس بسهولة الحصول على ناشر أو حتى بعدد الصفحات، ولا بعدد النسخ المباعة ولا بمدى الضجيج الذي يثار حوله، بل بجوهره، وصدقه مع التجربة الإنسانية، ومع القارئ الذي يضع وقته وروحه بين يدي النص ويثق بالكاتب، وبالبائع الذي يتردد طويلاً قبل وضع علامة الأفضل مبيعاً عليه!.
الأدب الجيد يحتاج أولاً، إلى كاتب يكتب لأنه لا يستطيع إلا الكتابة، أما الكتابة التي تولد من الفراغ، أو من الرغبة في الظهور، أو من حسابات السوق، فغالباً ما تكون ميتة قبل أن تولد، والنص الحي هو ذاك الذي يشعر القارئ فيه بأن الكلمات خرجت من أعماق كاتبها كاعتراف أو تبتل في محراب الكلمة.
يحتاج الأدب، ثانياً، إلى لغة واعية بذاتها، فهي ليست وسيلة نقل محايدة، بل كائن حي، له ذاكرة، وإيقاع، وقدرة على الخيانة إن أُسيء استخدامه. الأدب الجيد لا يهين اللغة ولا يفرغها من معناها، ولا يحولها إلى ضجيجٍ بلا دلالة، بل يعيد شحن الكلمات بما فقدته من حياة، ويجعل القارئ يرى المألوف وكأنه يراه للمرة الأولى.
ويحتاج الأدب الجيد إلى رؤية، ليس بالضرورة أن تكون فلسفةً متكاملة، أو موقفاً صاخباً، لكن لا بد أن يكون هناك شيء يقال، سؤال يطرح، قلق تتم مشاركته، أما النص الذي لا يضيف زاوية نظر، ولا يفتح نافذة، فهو حبر على ورق.
الأدب الجيّد لا يخاف من أن يكون صعباً، ولا يتوسل إعجاب الجميع لأنه أدب كاتب يعيش الكلمة ويؤمن بأن ما يقدمه يرتقي بالقارئ إلى مرتبة الخير أو ينحدر به إلى دركات الشر، ويعرف أن قارئاً واحداً صادقاً خير من آلاف العابرين.
وفي زمنٍ تتضخم فيه الأصوات الفارغة، يصبح الدفاع عن الأدب الجيد ضرورة وفعلاً أخلاقياً، وواجباً ملزماً للمؤسسات التعليمية والثقافية، دفاعاً عن اللغة من الابتذال، وعن القارئ من الخداع، وعن الإنسان من أن يختزل إلى مستهلك يشتري أي شيء ما دام معروضاً في الواجهة!.

[email protected]