كتبت الزميلة حصّة سيف في موضوعها الصحفي أمس حول منطقة شعم شمالي رأس الخيمة أن عمر النخل في المنطقة يتجاوز المئة عام، ولكن، ومن زاوية شعرية لا صحفية، كم يا ترى عمر الجبال في شعم؟ وكم عمر البحر؟ قرأت موضوع الزميلة حصّة بشغف خاص يعود إلى العام 1984، حيث أوّل إقامة لي في الإمارات لأعمل معلّماً في مدرسة أحمد بن ماجد المحاذية تماماً للبحر، لا بل أذكر أن موج البحر كان أحياناً يضرب جدار المدرسة الملاصق للماء، وسوف اتتبّع حياة وتاريخ البحّار والجغرافي والشاعر والملّاح والخرائطي بن ماجد من خلال ما توفّر لي آنذاك من كتب، وأكثر من ذلك، سوف يسكنني أحمد بن ماجد، يسكن شعري ويسكن قراءاتي إلى اليوم.
يقرأ عن شعم بعين مختلفة وقلب مختلف من عاش فيها، ورأى البحر للمرة الأولى، واستأنس بالنخل، وعرف طلّته وحنوّه على الناس والكائنات الحية التي تعيش في كنفه، حتى إنها مع الأيام تتأَنْسَنْ وتصبح عائلة.
أقرأ عن شعم بنوع من الحنين اليها، فقد كنت آنذاك في أواسط العشرين من عمري. شاب يرى البحر رؤية العين لا رؤية القارئ في كتب التاريخ والجغرافيا، وسوف أتعلم من بحر شعم القوّة والسيطرة. القوّة لأنه بكل هذا الامتلاء الأزرق المائي، والسيطرة لأن البحر لا يخرج على حدوده، يظل في أفقه المائي، ولا يتمدد ليؤذي النخيل، ويطعم أهل المنطقة من سمكه وكائناته. بحر كريم. له عائلة؟ بل سلالة من البحّارة والصيادين والغواصّين على السرّ الجمالي الكبير:اللؤلؤ.
أخذت أقرأ عن أحمد بن ماجد، وأقرأ عن البحر والجبال، وعندما تركت مهنة التدريس النبيلة، وتحوّلت إلى الصحافة كعمل حرفي منتظم أحببته، تذكرت أوّل ما تذكّرت شعم وبحرها ونخيلها وجبالها، وكنت أعمل أولاً في بداية التسعينات في مجلة «الشروق»، إحدى إصدارات مؤسسة «دار الخليج»، وزرت جبال شعم، والأصح أنني صعدتها لا كمتسلق جبال، بل كصحفي ميداني يعاين المكان وعلاماته التاريخية والمعمارية القديمة، وكان يرافقني رجل شحّي كريم الأصل في الستين من عمره، تعلمت منه سرعة التسلق، وخفة الحركة بين الصخور.
كرّمني أهل شعم بزيارة إلى مكتبي في «الخليج» حيث توليت رئاسة القسم الثقافي، وكانوا ثلاثة شحوح نبلاء، وكان معهم سيف طويل من الفضة هو من أجمل التكريمات التي تلقيتها في حياتي، وأحتفظ به إلى الآن في بيتي، ويرمز بالنسبة لي إلى القوّة والشجاعة وكرم المنبت، وهي معاً أخلاقيات وطبع أهل شعم.
شعم بالنسبة إليّ هي الشعر الصّافي الأصيل: هي عبدالله الهدية، وهي عبدالله السبب، وهي أحمد العسم، وهي كل الصف الرجولي الرائع من شعراء رأس الخيمة.
شكراً، زميلتي حصة سيف، فقد أَعدتِ لي روح صحفي الجبال، الميداني الاستقصائي، الذي لا يُحنّط نفسه في مكتب، أو يتجمّد أمام كمبيوتر.