قبل أسابيع (7يناير/كانون الثاني) رحل عن عالمنا الدكتور مراد وهبة، أستاذ الفلسفة المرموق، عن عمر ناهز المئة عام، لم يتوقف خلالها عن ممارسة نشاطه الفلسفي العابر للقارات، حيث ترأس وشارك في تأسيس وحمل عضوية الكثير من الجمعيات والمنتديات والاتحادات الفلسفية. ولا عن الدعوة إلى العقلانية متكئاً على الفيلسوف العربي ابن رشد، وإرث الرشدية اللاتينية الذي حفز النهضة الأوروبية عبر الجدل الإسكولائي في القرن الثالث عشر، خصوصاً بين الفرانسيسكان والدومينكان، داخل جامعتي بادوا وباريس. وأخيراً وبالذات، الدعوة إلى العلمانية، التي رآها ترياقاً مضاداً للنزعات الأصولية في العالم العربي.
غير أن المدقق في مسيرة الرجل، يستطيع أن يكتشف فيها عمق الأزمة التي يواجهها المثقف العربي في مواجهة الاستبداد السياسي، والتي قد تصيبه بنوع من الارتباك/الحوَل الفكري، يكتفي معه بترديد صوت السلطة في إدانة التطرف والإرهاب، مطالباً بإصلاح الدين وكأنه فقيه مسؤول عن الشريعة، فيما يعجز عن مطالبة الدولة نفسها بإصلاح السياسية، وسد المنافذ الواسعة التي يهب منها التطرف. ليس محتماً أن ينشغل المثقف بمقارعة السلطان، لكن ليس مطلوباً منه أن يمارس دوره وعينه على السلطان، بل المطلوب وفقط أن ينتج نصوصاً ويقدم فنوناً تبرز معاناة الناس، تحاول رفع همهمتهم، أن ينقل معاناتهم إلى مستوى الأسئلة الوجودية، طارحاً إياها على السلطة مطالباً بالإجابة، ومحاولاً وضع الحلول.
ومن ثم تنبع مفارقة مراد وهبة، مؤسس العلمانية العربية، الذي دعا إلى أشد نماذجها تطرفاً، خلاصاً من الاستبداد الديني/الأصولي. لكنه، في المقابل، غض الطرف عن الاستبداد السياسي/العلماني، ولم يطالب بالحرية والديمقراطية، حيث تحولت العلمانية لديه من وسيلة لبلوغ الديمقراطية، الحرية الفردية وحكم الأغلبية ورشد القرار السياسي، إلى غاية في ذاتها، يكفي مجرد وجودها ولو رافقها الفقر والاستبداد والفساد. تصور الرجل أن الاستبداد العلماني أفضل من الاستبداد الديني، فبذل قصارى جهده في مهادنة الأول ومحاربة الثاني. وليس هذا صحيحاً على الإطلاق، فاستعباد الناس باسم فرعونية سياسية ومن خلال مؤسسة أمنية باطشة ليس أقل ضرراً من استعبادهم باسم الله وعبر مؤسسة كهنوتية متغطرسة. كما أن اعتقال مثقف حر أو إهانة مواطن شريف في قسم شرطة، لا يقل قبحاً عن اغتيال الإرهاب لهما وللآخرين، فإهدار كرامة البشر وقتلهم معنوياً بيد الاستبداد هو المدخل لقتلهم جسدياً بيد الإرهاب.
جوهر المفارقة أن مصر، على الأقل منذ دستور 1923م، كانت دولة مدنية، لا يحكم فيها رجال الدين، تحترم المبادئ العليا للشريعة الإسلامية، لكنها لا تطبق قوانين الشريعة بالمعنى الحرفي الذي يطالب به أرباب الدولة الدينية، أي أنها كانت دولة علمانية معتدلة، تبنَّت مبكراً الصيغة المرنة التي تطور إليها نظام الحكم في تركيا خلال نصف القرن الأخير، خروجاً من مربع علمانية أتاتورك المتطرفة. لكن علمانية مصر لم تكن ديمقراطية إلا خلال الهزيع الأخير من العصر الملكي، أي في الحقبة شبه الليبرالية (1923 1952). ولأن ديمقراطيتها كانت مصابة بفيروسي الاحتلال البريطاني، والإقطاع الرعوي، فقد فشلت في التعاطي مع ما سمي آنذاك بالمشكلة الوطنية، والأزمة الاجتماعية. جرى الخلاص من كلتيهما مع ثورة يوليو وحكم عبد الناصر، الذي فقدت معه مصر شيئاً من ديمقراطيتها، فيما ظلت حريصة على نمط علمانيتها.
وهنا يكمن جوهر المفارقة لدى وهبة، الذي بالغ في الدعوى إلى علمانية كانت قائمة بالفعل، ربما في صيغة أكثر مرونة من الصيغة الفرنسية التي اعتنقها. لكنه، في المقابل، لم يمتلك شجاعة الدعوة إلى ديمقراطية ظلت غائبة طوال عصور الجمهورية التي رافقت عمره المديد، ولو كان الرجل متسقاً مع نفسه لصوّب غضبه على رأس الاستبداد، وتلاعب أربابه الدائم بالدستور، بغية تأبيد حكمهم، كما فعل المفكر الموسوعي عباس محمود العقاد حينما هاجم الملك فؤاد شخصياً دفاعاً عن دستور 1923م، فحكم عليه بالسجن تسعة أشهر في موقف اتسم بالشجاعة الأخلاقية النادرة.
لقد حارب وهبة أصولية دينية غير موجودة في الحكم، بحجة الخوف من لحظة مستقبلية تقتنص فيها السلطة وتمارس الاستبداد الديني، وما يمثله ذلك من خطر على مستقبل مصر. فيما استمر متغافلاً عن الاستبداد السياسي القائم بالفعل، وهو الأكثر خطورة على حاضر مصر قبل مستقبلها، كونها الرحم التي تولد فيها الأصولية الدينية نفسها. فالفشل في التنمية، وما يصاحبه من ضغوط اقتصادية واجتماعية وشعور بالهزيمة النفسية، إنما ينال من قيم كالتفتح العقلي والتسامح الديني، ما يفضي إلى تنامي المزاج الرجعي للمجتمعات، وتهاوي مناعتها تحت أقدام حراس العقائد، الخارجين والحال هذه، من عباءة دهاقنة الاستبداد، في موجات تتصاعد، حسب ظروف المكان والزمان، من الإخوانية وصولاً إلى الداعشية. ولو أن الرجل امتلك الشجاعة المعرفية والأخلاقية لأدرك أن الحرب مع الأصولية تتطلب الديمقراطية، لأن الانتصار على فكرة سيئة كالاستبداد الديني لن يتأتى لفكرة سيئة كالاستبداد السياسي، وأن الحرية هي الترياق الحقيقي ضد شتى النزعات الأصولية.
[email protected]
معضلة المثقف العربي
28 يناير 2026 01:40 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يناير 01:40 2026
شارك