قبل أيام غيّب الموت الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس (1929 2026) أحد أكبر المفكرين المعاصرين الذين نظَّروا للحداثة، ودافعوا عن مشروع التنوير، ولعله أبرز من تصدّوا لموجة التفكيك العاتية التي هبّت رياحها من قلب الفكر الفرنسي، وحاولت التشريع لعصر ما بعد الحداثة، والذي شكّك هابرماس دائماً في شرعيته، مؤكداً أنه ليس إلا مرحلة جديدة في مشروع الحداثة نفسه، الذي لم يكتمل، حسب رأيه، طالما أنه لم يحقق غاياته النهائية في التمكين لقيم العقلانية والحرية والعدالة.
ارتبط هابرماس بمدرسة فرانكفورت، التي خرجت من رحم معهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة غوته مطلع عشرينات القرن الماضي 1923م، بدعم مالي كبير من اليهودي الألماني، الثري والماركسي في آن فيليكس فيل. لكنه، وعلى عكس رموز الجيل الأول في المدرسة، الذين ولدوا لعائلات يهودية، وهاجروا إلى الولايات المتحدة تحت ضغط النازية، ورحلوا إبان الحرب الباردة، ولد لعائلة مسيحية بروتستانتية، ولم تضطره الظروف إلى هجرة وطنه، فكان أبرز رموز الجيل الثاني للمدرسة. درس في جامعتي جوتنجن وزيورخ ونال درجة الدكتوراه من جامعة بون عن رسالة بعنوان: المطلق والتاريخ.. عن التناقض في فكر الفيلسوف شلنج، وتولّي كرسي هوركهايمر في جامعة فرانكفورت منتصف الستينات.
عاصر نهاية الشيوعية، وأدرك عصر ما بعد الصناعة، فلم يبذل جهداً كبيراً كأسلافه الفرانكفورتيين في تجديد الماركسية، أو نقد التقنية التي بات لمنجزاتها دور محوري في تلبية المتطلبات البشرية. ورغم أن الأخيرة قد وفرت أدوات للسيطرة على الجماعات وتدجين الأفراد، فقد رأى في ذلك مجرد جانب سلبي ضمن جوانب أخرى إيجابية على رأسها تحرير الإنسان في مواجهة الطبيعة.
وعلى عكس ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو اللذين أعلنا عن أفول التنوير في كتابيهما المشترك «جدل التنوير»، ذهب هابرماس إلى أن عقل التنوير لم يمت رغم الانحرافات التي جسدتها النزعة الاستعمارية، والحربين العالميتين اللتين خاضتهما الفاشية والنازية. نعم، يعترف بأزمة الحداثة التي أسست لحضارة مادية سرعان ما حاصرت نشاط العقل نفسه، فجرى اختزال العقلانية في مجرد صيغة أداتية، واختزال نظرية (المعرفة) في نظرية (علم)، وهو ما نهضت به الوضعية التجريبية، وكرّسته الوضعية المنطقية. لكن الحل في نظره ليس في التخلي عن العقلانية باسم النزعة المثالية، بل في محاولة تجديد النزعة النقدية لدى إيمانويل كانط، كي تتمكن من ممارسة دورها بعد أكثر من قرنين، في عالم مختلف هيمنت عليه التقنية والنزعة الاستهلاكية، من خلال دمج العقل النظري الذي يستهدف المعرفة، مع العقل العملي الذي يستهدف الأخلاق، بحيث يستعيد العقل بعضاً من تكامله وفعاليته، أي خاصيته التواصلية.
في كتابه الأهم «نظرية الفعل التواصلي» 1981، دان هابرماس العقل الأداتي باعتباره عقلاً نفعياً، يسعى فقط إلى السيطرة على العالم الطبيعي، فيما قرَّظ العقل التواصلي، الذي يهدف إلى تعميق فهمنا للعالم، عبر الإصغاء لتفاعلات الإنسان الداخلية، وإلى توسيع التفاهم بين البشر عبر التفاعل اللغوي الخلاق بينهم. ومن ثم يؤمن هابرماس بأهمية التعددية الثقافية، مؤكداً أن القبول بها ليس مجرد فضيلة ذاتية لطرف ما يجود بها على الآخرين، بل هو نتيجة ضرورية للإقرار بتعدد جوانب العقل الإنساني ذاته، والذي يعمل بطرائق مختلفة. هذا الإقرار يفترض التخلي عن الاعتقاد التقليدي بأن ثمة عقلاً واحداً للحداثة، يتسم بالكلية والشمولية، فمهما تعددت الثقافات واختلفت جذورها، لابد أن ينطوي كل منها على قدر من العقلانية، يمكن الكشف عنه عبر حوار ديمقراطي ضمن مجال عام يقوم على أساس المواطنة المتعددة. ومن ثم يرفض هابرماس ضمنياً، فهم الغرب لنفسه باعتباره التمثيل الوحيد للعقل، وللثقافة الكونية.
هذا الإقرار، بكل ما يترتب عليه من نتائج، كالتسامح بين الأديان المختلفة، وبين الدين والعلمانية، هو ما جعل هابرماس بمثابة التجسيد الحي لإرث فرانكفورت النقدي. لكنه الإقرار نفسه الذي قام هابرماس بخيانته قبل رحيله بأقل من عامين، عندما أصدر وثلاثة من أساتذة الفلسفة السياسية بجامعة غوته في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2024م بياناً بعنوان «مبادئ التضامن»، عبّروا فيه عن دعمهم لإسرائيل في حربها على غزة، وبرروا كل ما تقوم به ب«بالفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر، وكشفت عن رغبة في القضاء على الحياة اليهودية عموماً». وبأن «الروح الديمقراطية التي تأسست عليها جمهورية ألمانيا تعتبر الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود عنصرين أساسيين يستحقان حماية خاصة في ضوء جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبت في العهد النازي». هنا يقع الرجل في تناقض جعله أسيراً لما حذر منه، وهو الخلط بين الانتماء لهوية كونية وبين الاندراج في الثقافة الغربية، فلم يكن لأهل فلسطين أي ذنب في جرائم العهد النازي، ولا يقع عليهم بالتبعية عبء حماية الشعب اليهودي، ولذا بدا رحيل هابرماس في هذا الوقت كعلامة نهاية موضوعية، وليس فقط شخصية على أفول مشروع التنوير وقيمه الإنسانية.
رحيل يورجن هابرماس وعالمه
8 أبريل 2026 00:17 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 أبريل 00:17 2026
شارك