مع نهاية الحرب الباردة، وصعود خطاب العولمة، ساد تصور أن كينونة الدولة القومية أخذت في التراجع والأفول لصالح تنظيمات إقليمية عابرة لها، يمكنها الحلول بديلاً عنها. بل إن هناك من أوغلوا في النيل منها فتحدثوا عن كيانات داخلها، باتت تتفوق عليها من قبيل الشركات المتعدية والمتعددة الجنسية. لكن، ما إن وقع الوباء الكوني كوفيد 19 مطلع العام 2020، إلا واستعادت الدولة القومية مركزيتها لتبدو وكأنها الحقيقة السياسية الأكثر صلابة في عالم يموج بالسيولة، وحائط الصد الحقيقي في لحظة تموج بالخوف.
لكن الدولة الوطنية في معظم أرجاء العالم العربي تظل أقرب إلى إشكالية سياسية منها إلى حقيقة وجودية، لقد تأخرت حداثتنا الثقافية إلى مطالع القرن التاسع عشر، ولم يتبلور لدينا مفهوم العقد الاجتماعي بالمعنى الحديث، فظلت مجتمعاتنا أسيرة عقد بدائي يتجذر في نموذج «السلطة الرعوية»، وهو المعادل العربي للإقطاع الأوروبي، جوهر هذا النموذج أن تقوم جماعة وظيفية ليست من نسيج المجتمع بالذود عنه، وأداء الوظيفة العسكرية فيه، في مقابل التحكم في سلطته السياسية والسيطرة على موارده الاقتصادية.
جرى تدشين هذا العقد مع الخلافة العباسية في عصرها الأول، ثم هيمنة الأتراك، على العصر العباسي الثاني، كما تدعم بالاجتياح المغولي، فالمغول بدو رحل بالأساس، يتميزون بالقوة والهمجية ولا يملكون ثقافة تذكر.
بسقوط الخلافة العثمانية 1924م، وزوال الاحتلال الأوروبي منتصف القرن العشرين، بدا وكأن المجتمعات العربية أدمنت هذا النموذج، فصار لديها قابلية الخضوع لأي قوة ترثه أو تشبهه، من قبيل النخب العسكرية التي طالبت بالاستقلال أو حصلت عليه، وفي المقابل عزلت المجتمع المدني عن الشأن السياسي، ومن ثم تأسست الدولة الوطنية العربية، ربيبة عصر التحرر القومي، على قاعدة تمدد الجيش في الحياة المدنية‏، بل إن جنرالات السياسة العرب حاولوا صياغة مجتمعاتهم على منوال التنظيم العسكري وما ينطوي عليه من تراتب في القيادة تصوروا أنه الطريق الوحيد لتحقيق التماسك الوطني والآلية الحاسمة لاتخاذ القرارات.
وبينما كان الألمان يتخلون عن قوميتهم العضوية ونزعتهم العسكرية منتصف القرن العشرين، ليعيدوا بناء بلدهم على منوال النموذج الفرنسي، أي على قاعدة العيش المشترك والاندماج الطوعي بين عموم المواطنين، كان العرب يستعيرون من الألمان مفهومهم القديم عن الأمة، باعتبارها قومية عضوية، ومن ثم جرى الربط بين الأمة والدولة الشمولية، القادرة علي امتصاص المواطن/ الفرد وإذابته في شخصيتها الجمعية، وفي وقت كان الألمان يتطهرون من النزعة التوسعية وينسجون ثوب الاتحاد الأوروبي من خيوط الوحدة الطوعية، كان بعض العرب يلتمسون النموذج البروسي في ترتيب العلاقة بين بعضهم البعض.
الأخطر من ذلك هو أن غياب المواطنة الدستورية جعل الأقليات العرقية والمذهبية هدفاً لنزوات نخب الحكم العسكرية، وتالياً ثغرات في الجسد العربي، فصدام على سبيل المثال في لحظة يأس، اقتحم مناطق الأكراد بالأسلحة الكيماوية، فحفز رغبتهم في الانفصال.
ولولا أن حبا الله مصر بمكون مسيحي نادر في وطنيته لعانت كالآخرين. اليوم، إذ يعلو ضجيج الأقليات العرقية والمذهبية في اليمن والعراق وليبيا وسوريا ولبنان، ويصير بعضها أذرعاً لإيران على الحواف العربية، فإن الدولة العربية تتجرع من ذلك الكأس المرير، كالعلقم، الذي كانت سقت منه تلك الأقليات طيلة القرن العشرين، عندما فشلت في دمجها واستيعابها، فصارت قنابل موقوتة داخلها، ومن ثم بات واجباً على كل منها، بسرعة وحسم، أن تغادر ذلك العقد الاجتماعي البدائي، إلى عقد اجتماعي حديث، قوامه المواطنة الدستورية، والحقوق الفردية، لتبدأ رحلة الخروج العربي الآمن من الكهف السياسي المظلم، أما الإبطاء والتردد فلن يفرزا سوى المزيد من التمزق والتشرذم.

[email protected]