يحيى زكي
لعل السؤال الذي يطرحه مناخ عصرنا يتمثل في: هل أصبحت مفردة «الترند» بديلاً لمصطلح «الرأي العام»؟ حيث لم يعد أحد يتطرق إلى المصطلح الأخير إلا نادراً، بينما يركز الجميع على «الترند»، وحتى في أعتى الانتخابات الديمقراطية التي كنا نتابع مؤشرات الرأي العام فيها، باتت الأنظار تتجه إلى «السوشيال ميديا» وملحقاتها، فهل يمكن القول بأن مواقع التواصل وريثة الرأي العام؟
تنتمي مفردة الرأي العام إلى حقل دراسات الإعلام، وعلم الاجتماع كفضاء أوسع، وكانت الصحافة ووسائل الإعلام التقليدية في الماضي على علاقة جدلية بالرأي العام، تتأثر به، وتؤثر فيه وربما تعيد تشكيله، ولم يكن الإعلام هو الفيصل في الرأي العام، فهذا الأخير يتشكل وفق عمليات شديدة التعقيد، يدخل فيها القيمي والثقافي وواقع الحياة نفسها، أي أن الإعلام لم يكن المؤثر الوحيد في اتجاهاته، وظل هناك جانب في الرأي العام عصياً على الإحاطة والإمساك والرصد، حيث كانت القياسات العلمية والمسحية تتوقع فوز هذا على ذاك في هذه الانتخابات أو تلك، إلا أن النتائج تأتي مغايرة، أو يكتب المحلل متوقعاً استجابة ما تجاه قضية معينة فيحسم الرأي العام خياراته في اتجاه آخر.
في الرأي العام أيضاً، كانت هناك علاقة صحية بين الجماعة والفرد، بين الفرد وحدوده وواجباته، والمجموع بأهدافه وتقاليده، بين الأغلبية والأقلية، يوجد تيار عام، ولكن صوت الهامش موجود ومسموع وربما يؤثر في المستقبل، كذلك تركزت قضايا الرأي العام حول أفكار كبرى وقضايا مهمة ولافتة تمس صميم الحياة وتتعلق بالقناعات والرؤى، وكانت تنتج عن الرأي العام مواقف تؤثر في التوجهات والقرارات، وربما نتج عنها التغيير، وفوق ذلك، وعلى مدار عقود، تشكلت ذاكرة للرأي العام، وبات رقماً صعباً في علم الاجتماع ودراساته وعند مختلف المحللين.
صحيح أن هناك العديد من الأدبيات والأطروحات التي تحدثت عن المتلاعبين بالرأي العام، وكيفية تشكيله والتأثير فيه وفق المصالح الفئوية، إلا أنه كان دائماً يذكّرنا بثقل ما في التعاطي مع السياسة وقضايا المجتمع.
الآن نحن نعيش عصر الخفة، حيث يتراجع كل ما هو جاد إلى خلفية المشهد، ولذلك ضعف تعاطينا مع الرأي العام، وبدأنا نتحدث كثيراً عن الجماهيرية الموجودة على مواقع التواصل، وانتشرت مفردة «الترند»، والتي تتعلق بأشياء جديدة أو طريفة أو غرائبية، وأحياناً نراه لا يستحق التوقف والانتباه وقد تحول إلى «ترند»، الذي هو أقرب إلى الموضة، إلى مفهومنا عن الزي، وكل ما هو كمالي وخارجي، ولا علاقة له بقيم وعادات وقناعات، و«الترند» يرتبط بإعجابات لحظية وربما بصراخ وخلافات سخيفة ومعارك فارغة.
والعلاقة بين الجماعي والفردي في مواقع التواصل ليست صحية، فالبشر هنا مجرد أرقام شبحية، ووجوه مختفية، والأرقام المليونية ربما تخيف البعض أو تبهرهم أو تجعلهم يتوقفون قليلاً، ولكنها أرقام بدورها لحظية لا تؤثر أو تحفر في الذاكرة، وفي حديثنا علينا أن نعيد تقييم رؤانا للرأي العام بكل زخمه بعيداً عن «الترند» بكل خفته.