د. محمد السعيد إدريس

لم يكن يوم الثلاثاء (20/1/2026)، يوماً عادياً، لا بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا بالنسبة إلى شركائه، قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولا حتى بالنسبة إلى المشاركين من قادة العالم في اجتماعات «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. في هذا اليوم، وصل ترامب إلى المنتدى، وتحدث بنفس أسلوب الاستعلاء والغطرسة الذي اعتاد عليه، مع الخصوم والحلفاء، وكان قبل وصوله قد أجرى العديد من المقابلات، وألقى بالعديد من التصريحات، وكتب الكثير من التعليقات على منصته الخاصة «تروث سوشيال»، حملت كلها تهديدات وتأكيدات تخصّ عدم اكتراثه بحلف شمال الأطلسي، وإصراره على امتلاك جزيرة «غرينلاند» غير عابئ برفض أهلها، ولا برفض الدنمارك التي تُعد الجزيرة جزءاً منها، ولا برفض دول وقادة الاتحاد الأوروبي لهذا التوجه، بل إنه حذر من أنه سيفرض جولة جديدة من التعريفات الجمركية على الدول الأوروبية ما لم توافق على مطالبه بالاستيلاء على الجزيرة، وتجاوز الموقف الأوروبي من روسيا، ودعا رئيسها، فلاديمير بوتين، إلى المشاركة في مجلسه ل«السلام العالمي»، وشارك في منشور يقول إن الصين وروسيا لم تكونا تهديدين للنظام العالمي، بل كانت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي، هما مصدراً للتهديد. وكتب رسالة نصية لرئيس وزراء النرويج، ربط فيها مساعيه من أجل غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، وأنه «لم يعد مضطراً للتفكير في السلام البحت»، وزاد بقوله «لقد فعلت لحلف الناتو أكثر من أيّ شخص آخر منذ تأسيسه، والآن يجب على «الناتو» أن يفعل شيئاً للولايات المتحدة».
وتساءل في كلمته أمام منتدى دافوس، عمّا إذا كان يمكن الوثوق بحلف الناتو لمساعدة الولايات المتحدة، وردّاً على رفض الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الانضمام إلى ما يسمى «مجلس السلام العالمي» الذي نصب ترامب نفسه رئيساً له، هدّد ترامب بفرض عقوبات جمركية بنسبة 200 في المئة على النبيذ الفرنسي، أحد أشهر الصادرات الفرنسية.
هذه الأجواء المضطربة هي التي حكمت جلسات منتدى دافوس، يوم ذلك الثلاثاء الشهير، وبدلاً من أن يبقى هذا المنتدى ملتقى للعصف الذهني بين قادة أغنى دول العالم، تحوّل إلى مواجهة، ولكن هذه المرة بين أبرز قادة شركائه في حلف شمال الأطلسي، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الذي كسر بجرأته، غير المسبوقة، كل قواعد «الانضباط الدبلوماسي» في الحوار بين القادة والرؤساء، بخاصة إن كانوا حلفاء تاريخيين.
اللافت في هذا المشهد أن الخطاب الذي ألقاه مارك كارني لمواجهة دونالد ترامب جاء معّبراً عن مشاعر وأفكار مكبوتة عند معظم الحاضرين، الذين لم يكتفوا بالتصفيق الحار والمتصل لهذا الخطاب، بل، وللمرة الأولى، وقف الحضور احتراماً وتأييداً لكل ما نطق به مارك كارني، وهو يرد على مفاهيم وسياسات وتجاوزات دونالد ترامب، بحق بلاده، وبحق حلف شمال الأطلسي، وبحق المجتمع الدولي والنظام العالمي.
كان تصفيق الحضور وقوفاً، ولذلك كانت صدمة ترامب مزدوجة، صدمة من كلام مارك كارني، والأخرى من انحياز الحضور إلى هذا الموقف الحاد، وغير المسبوق، الذي تجاوز الرد على أقوال ترامب وسياساته، إلى طرح «خريطة طريق للعالم» في مواجهة انقلابات ترامب على النظام العالمي، والقانون، والأعراف والقيم التي تحكم هذا القانون. فقد أعلن ترامب سحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي، إلى الانضمام إلى «مجلس السلام»، وكتب إلى كارني رسالة على منصته «تروث سوشيال» بصيغة رسالة شخصية «أرجو اعتبار هذه الرسالة بمثابة إبلاغكم أن مجلس السلام العالمي يسحب دعوته لكم في شأن انضمام كندا إلى ما سيكون، في أيّ وقت، مجلس الزعماء الأكثر شهرة على الإطلاق». وخاطب ترامب الكنديين قائلاً: «شاهدت رئيس وزرائكم، أمس، لم يكن ممتناً بما فيه الكفاية». وزاد: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة: تذكّر يا مارك (موجهاً الحديث باستهزاء إلى رئيس الوزراء الكندي)، في المرة المقبلة، التي تدلي فيها بتصريحاتك».
إلى هذا الحد كان غضب ترامب من التصريحات التي وردت في خطاب كارني أمام منتدى دافوس، لأنه نطق بما لا يقبل به ترامب.
كان خطاب مارك كارني «نارياً» بمعنى الكلمة، اعتبر فيه أن «التشدّد الجديد من الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى، يعنى أن النظام القائم على القواعد قد انتهى»، وأن «القواعد طبقت بانتقائية»، وحذّر من وهم التفاوض مع القوى المهيمنة، لكن الأهم أن كارني لم يكتف بذلك، بل دعا الدول المتوسطة، (مثل كندا)، وصغيرة الحجم، إلى التكاتف والعمل معاً، لمقاومة مبدأ «أمريكا أولاً» الذي يتبناه ترامب، ومساعيه لتقويض النظام العالمي، وتوسّع في إدانته لسياسات «الاستبداد والإقصاء». وعاد إلى بلاده ليكمل رده على ترامب وزعمه أن «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة»، وخاطب الكنديين في مؤتمر بمدينة «كيبيك»، قائلاً: «كندا لا تعيش بفضل الولايات المتحدة.. كندا تزدهر لأننا كنديون».
ربما تكون هذه بداية طريق لم تتحدّد معالمه بعد، لكنه يحمل رسائل تمرّد لكل العالم للتصدي للسياسة الترامبية.